القول الراجح في المراد بالصابئين في القران

Home / التفسير / القول الراجح في المراد بالصابئين في القران
القول الراجح في المراد بالصابئين في القران
قال تعالى{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } البقرة62  

والصابئة جمع صابئ ، اسم فاعل من صَبَأ يصبَأ ، إذا خرج من دين إلى آخر .

قال الامام الطبري : ( والصابئون ، جمع صابئ ، وهو المستحدث سوى دينه دينا ، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه ، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره ، تسميه العرب : صابئا … يقال صبأت النجوم : إذا طلعت ..)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ” وكذلك اختلاف الفقهاء في ” الصابئين ” هل هم من أهل الكتاب أم لا ، ويُذكر فيه عن أحمد روايتان ، وكذلك قولان للشافعي ، والذي عليه محققو الفقهاء : أنهم صنفان ، فمن دان بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا ” انتهى من ” الرد على المنطقيين ” ( ص 456 ) . 
وهذا هو الراجح فيهم أنهم فرق متعددة لا فرقة واحدة ، وهو ما ذهب إليه الامام ابن القيم رحمه الله بعد تحقيق وافٍ لمذاهب وعقائد الصابئة . 
قال  الامام ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان : “ الصابئة فرَق ، فصابئة حنفاء ، وصابئة مشركون ، وصابئة فلاسفة ، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة ، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف في التفصيل ، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلاً ، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلاً ” انتهى .
 

وقال في أحكام أهل الذمة : “ الصابئة أمة كبيرة ، فيهم السعيد والشقي ، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر ، فإن الأمم قبل مبعث النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نوعان : نوع كفار أشقياء كلهم ، ليس فيهم سعيد ، كعبدة الأوثان والمجوس ، ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي ، وهم اليهود والنصارى والصابئة .

والصابئة أمة قديمة قبل اليهود والنصارى ، وهم أنواع : صابئة حنفاء ، وصابئة مشركون . وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح ، ولهم كتب وتآليف وعلوم ، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة ، منهم إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب الرسائل ، وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين ، وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات .

 إلى أن قال : “ وعقد أمرهم أنهم يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم ، ولا يوالون أهل ملة ويعادون أخرى ، ولا يتعصبون لملة على ملة . والملل عندهم نواميس لمصالح العالم ، فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس ، وتتهذب به الأخلاق ، ولذلك سموا صابئين كأنهم ، صبؤوا عن التعبد بكل ملة من الملل ، والانتساب إليها ، ولهذا قال غير واحد من السلف : ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا.

وهم نوعان صابئة حنفاء وصابئة مشركون ؛ فالحنفاء هم الناجون منهم وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض ، وهم قوم إبراهيم كما أن اليهود قوم موسى ،والحنفاء منهم أتباعه ” اه أحكام أهل الذمة
– ولا يتوهم أن الآية المذكورة أعلاه دليلٌ على صحة ما عليه اليوم اليهود والنصارى والصابئة .

قال العلامة السعدي في تفسيره: ” الصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام، فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم، لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها، ومَنْ رحمته وسعت كل شيء. 

وذلك ـ والله أعلم – أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم. ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها، ليتضح الحق ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين. ” اهـ.    

 

Hits: 109