جميع العباد وُلِدُوا حُنَفَاء لكنَّ أكثرهم قد ضلُّوا بسبب ظلمهم وجهلهم

Home / الحديث / جميع العباد وُلِدُوا حُنَفَاء لكنَّ أكثرهم قد ضلُّوا بسبب ظلمهم وجهلهم
جميع العباد وُلِدُوا حُنَفَاء لكنَّ أكثرهم قد ضلُّوا بسبب ظلمهم وجهلهم
بسم الله الرحمن الرحيم 
إن الله جل وعلا خلق عباده حنفاء على الفطرة السليمة لكن كثير منهم قد اجتالتهم الشياطين إما بسبب الأبوين وهو الغالب كما قال عليه الصلاة والسلام ”  مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ” وأطفال المشركين لا يؤاخذون حتى يبلغوا رشدهم وتبلغهم دعوة الاسلام فإن ماتوا قبل البلوغ امتحنوا في عرصات القيامة كما يُمتحن أهل الفترة على الصحيح وقد اخبرنا جل وعلا أن التمسك بما وُجِدَ عليه الآباء هو من إختيار كثير من الخلق  حيث قال : ” وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ” أيضا  قال : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ” ويُصِرُّون على التقليد الأعمى ، قال: ” أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ “
أو لغير ذلك من الاسباب التي جِمَاعُها ظلم العباد وجهلهم ولذا قال سبحانه :” وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا   فالظلم والجهل سببا ضلال بني آدم وهما أصل كل شر .
 
وكذلك الغلام الذي قتله الخضر قد وُلِدَ على الفطرة تحت أبوين مؤمنين لكن الله جل في علاه يعلم مآله من قبل وكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .
فما فعله الخضر عليه السلام كان بأمر من الله سبحانه لا يسأل عما يفعل وهو احكم الحاكمين وارحم الراحمين ولذا قال الخضر لموسى عليهما السلام بعد اعتراضه على قتل الغلام : “وما فعلته عن أمري ! ”  .
هذا وننبه أن أهل العلم قد اختلفوا في معنى حديث : “كل مولود يولد على الفطرة ” لكن ليس هنالك أفضل من تفسير الحديث بالحديث وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حديث قدسي ورد فيه :” وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ “فتبين بهذا الحديث صراحةً أن معنى الفطرة هي الحنيفية ، وَالْحَنِيفُ الموحد الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ ، ثم أكد أن ذلك يعم الجميع بقوله : ”  كُلَّهُمْ   ” .
 

قال الامام ابن تيمية في درء التعارض (8/362-363 ): فقوله : طبع ، أي طبع في الكتاب ، أي قدر وقضي ، لا أنه كان كفره موجودا قبل أن يولد ، فهو مولود على الفطرة السليمة ، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر ، كما طبع كتابه يوم طبع .
ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط ، فإن ذلك لا يقال فيه : ” طبع يوم طبع “ ، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره ، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حدث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال :” خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ” ، وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية ، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك اهـ المراد منه .


وقال فيه أيضا رحمه الله (8/427- 428) : وأما قوله ” الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ” فالمراد به : كتب وختم ، وهذا من طبع الكتاب ، وإلا فاستنطاقهم بقوله : “ ألست بربكم قالوا بلى  ليس هو طبعا لهم ، فإنه ليس بتقدير ولا خلق .
ولفظ ( الطبع ) لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الجبلة والخليقة ظن الظان أن هذا مراد الحديث .
وهذا الغلام الذي قتله الخضر قد يقال فيه : إنه ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير مكلف، بل ولا ما يبين أنه كان غير بالغ ، ولكن قال في الحديث الصحيح :” الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ، ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ” ، وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد ، فإن كان بالغا وقد كفر فقد صار كافرا بلا نزاع ، وإن كان مكلفا قبل الاحتلام في تلك الشريعة أو على قول من يقول : إن المميزين مكلفون بالإيمان قبل الاحتلام كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم أمكن أن يكون مكلفا بالإيمان قبل البلوغ ، ولم يكن مكلفا ، فكفر الصبي المميز صحيح عند أكثر العلماء ، فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتدا ، وإن كان أبواه مؤمنين ، ويؤدب على ذلك باتفاق العلماء أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة ، لكن لا يقتل في شريعتنا حتى يبلغ .
فالغلام الذي قتله الخضر: إما أن يكون كافرا بالغا كفر بعد البلوغ فيجوز قتله ، وإما أن يكون كافرا قبل البلوغ وجاز قتله في تلك الشريعة ، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما كما يقتل الصبي الكافر في ديننا ، إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل اهـ .
 
والله أعلم والحمد لله رب العالمين 

Hits: 69