أهميَّة الاحتساب في الصيام والقيام وسائر العبادات

Home / الحديث / أهميَّة الاحتساب في الصيام والقيام وسائر العبادات
أهميَّة الاحتساب في الصيام والقيام وسائر العبادات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن صلاح القلوب بالعبادة أهم من مجرد أدائها بالجوارح، والمعوَّل عليه في أداء العبادة الصحيحة: الإخلاص فيها، واحتساب أجرها؛ ولذا جاء في صيام رمضان وقيامه تعليق المغفرة بالإيمان والاحتساب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“وفي حديث آخر “مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد دلت النصوص على أن هذه المغفرة الموعود بها مشروطة بأمور ثلاثة :
الأول : أن يصوم رمضان إيماناً – أي إيماناً بالله ورسوله وتصديقاً بفرضية الصيام وما أعد الله تعالى للصائمين من جزيل الأجر .
الثاني : أن يصومه احتساباً – أي طلباً للأجر والثواب ، بأن يصومه إخلاصاً لوجه الله تعالى ، لا رياءً ولا تقليداً ولا تجلداً لئلا يخالف الناس ، أو غير ذلك من المقاصد ..
بل يصومه طيبةً به نفسه غير كاره لصيامه ولا مستثقل لأيامه ، بل يغتنم طول أيامه لعظم الثواب .
الثالث : أن يجتنب الكبائر ، وهي جمع كبيرة ، وهي كل ذنب رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو رتب عليه غضب ونحوه ، وذلك كالإشراك بالله وأكل الربا وأكل مال اليتيم والزنا والسحر والقتل وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وشهادة الزور واليمين الغموس ، والغش في البيع وسائر المعاملات ، وغير ذلك ،
قال تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما )
فإذا صام العبد رمضان كما ينبغي غفر الله له بصيامه الصغائر والخطيئات التي اقترفها إذا اجتنب كبائر الذنوب وتاب مما وقع فيه منها .
وقد أفاد حديث أبي هريرة ” الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ” أن كل نص جاء فيه تكفير بعض الأعمال الصالحة للذنوب كالوضوء وصيام رمضان وصيام عرفة وعاشوراء وغيرها أن المراد به الصغائر ، لأن هذه العبادات الثلاث العظيمة وهي الصلوات الخمس والجمعة ورمضان إذا كانت لا تُكفر بها الكبائر فكيف بما دونها من الأعمال الصالحة ؟
ولهذا يرى جمهور العلماء أن الكبائر لا تكفرها الأعمال الصالحة ؛ بل لا بد لها من توبة أو إقامة الحد فيما يتعلق به حد والله أعلم .المرجع ( أحكام الصيام .. للفوزان ص35)

والاحتساب في الصيام والقيام هو إرادة الأجر المرتب عليه، والنجاة من العقاب المرتب على تركه أو الإخلال به، بمعنى: أنه يصوم ويقوم راجيا خائفا، راجيا رحمة الله تعالى وعفوه ومغفرته ورضوانه، خائفا من غضبه وعذابه وانتقامه. فلا يقول: إنما أصوم وأقوم محبة لله تعالى وتعظيما له فقط، لا خوفا من عقابه، ولا رجاء في ثوابه، فمن فعل ذلك لم يكن محتسبا؛ لأن مَنْ عَبَدَ الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو خارجي، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن؛ وذلك لأن الله تعالى وصف المؤمنين بأوصاف الخوف والرجاء مع الحب والتعظيم ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ [الإسراء: 57] وقال تعالى في مدح بعض رسله عليهم السلام ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ [الأنبياء: 90] والرغب والرهب هو رجاء الرحمة والخوف من النار، فطلب الجنة محبوب للرب مرضي له، وطلبها عبودية للرب، والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها.

 وذكر الإيمان والاحتساب في الصيام والقيام دليل على أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان بلا عمل إيمان غير صحيح، ولا حجة لصاحبه عند الله تعالى، ولا ينجيه من عذابه سبحانه.

وجاء التنبيه على الإيمان والاحتساب في تشييع جنازة المسلم ودفنه؛ لأنه قد لا يحضرها إيمانا واحتسابا، وإنما محبة للميت، أو حياء من قرابته، أو خوفا من مذمة الناس، أو غير ذلك من المقاصد، فنبه على ذلك في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ“رواه البخاري.ونبه على نية الاحتساب في النفقة على الأهل والعيال؛ عَنِ اْبْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ الله عَنه عَنِ النَّبِىّ صلى الله عليه و سلم قال :” إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسبُهَا فَهىَ لَهُ صَدَقَةٌ .”  لأن النفوس تذهل عن ذلك بسبب أن هذه النفقة واجب اجتماعي يقوم به كل الناس مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم؛ فإلف ذلك واعتياده قد يمحو أثر الاحتساب، فنبه عليه لئلا يغفل عنه المؤمن فيفوته الأجر.

والحمد لله رب العالمين 

Hits: 92