أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي

Home / الحديث / أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي
أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي

يقول الامام ابن القيم رحمه الله : ” مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِنَفْسِهِ ، وَبَصِيرَةٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي طَلَبِهِ لَمْ يُبْقِ لَهُ نَظَرُهُ فِي سَيِّئَاتِهِ حَسَنَةً الْبَتَّةَ ، فَلَا يَلْقَى اللَّهَ إِلَّا بِالْإِفْلَاسِ الْمَحْضِ ، وَالْفَقْرِ الصِّرْفِ ، 

لِأَنَّهُ إِذَا فَتَّشَ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ وَعُيُوبِ عَمَلِهِ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلَّهِ ، وَأَنَّ تِلْكَ الْبِضَاعَةَ لَا تُشْتَرَى بِهَا النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَضْلًا عَنِ الْفَوْزِ بِعَظِيمِ ثَوَابِ اللَّهِ ، 
فَإِنْ خَلُصَ لَهُ عَمَلٌ وَحَالٌ مَعَ اللَّهِ ، وَصَفَا لَهُ مَعَهُ وَقْتٌ شَاهَدَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِ ، وَمُجَرَّدَ فَضْلِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا هِيَ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، فَهُوَ دَائِمًا مُشَاهِدٌ لِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَلِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَعَمَلِهِ ، لِأَنَّهُ مَتَى تَطَلَّبَهَا رَآهَا .
وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ وَأَنْفَعِهَا لِلْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ : ” اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ” .
فَتَضَمَّنَ هَذَا الِاسْتِغْفَارُ الِاعْتِرَافَ مِنَ الْعَبْدِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ ، وَإِلَهِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ ، وَالِاعْتِرَافَ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ ، الْعَالِمُ بِهِ ،
 إِذْ أَنْشَأَهُ نَشْأَةً تَسْتَلْزِمُ عَجْزَهُ عَنْ أَدَاءِ حَقِّهِ وَتَقْصِيرَهُ  فِيهِ ، وَالِاعْتِرَافَ بِأَنَّهُ عَبْدُهُ الَّذِي نَاصِيَتُهُ بِيَدِهِ وَفِي قَبْضَتِهِ ، لَا مَهْرَبَ لَهُ مِنْهُ ، وَلَا وَلِيَّ بِهِ سِوَاهُ ، 
ثُمَّ الْتِزَامَ الدُّخُولِ تَحْتَ عَهْدِهِ – وَهُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ – الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِي ، لَا بِحَسَبِ أَدَاءِ حَقِّكَ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْبَشَرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ جُهْدُ الْمُقِلٍّ ، وَقَدْرُ الطَّاقَةِ ، 
وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَا مُصَدِّقٌ بِوَعْدِكَ الَّذِي وَعَدْتَهُ لِأَهْلِ طَاعَتِكَ بِالثَّوَابِ ، وَلِأَهْلِ مَعْصِيَتِكَ بِالْعِقَابِ ، فَأَنَا مُقِيمٌ عَلَى عَهْدِكَ ، مُصَدِّقٌ بِوَعْدِكَ ، ثُمَّ أَفْزَعُ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَالِاعْتِصَامِ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فَرَّطْتُ فِيهِ مِنْ أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعِذْنِي مِنْ شَرِّهِ ، وَإِلَّا أَحَاطَتْ بِي الْهَلَكَةُ ، فَإِنَّ إِضَاعَةَ حَقِّكَ سَبَبُ الْهَلَاكِ ، وَأَنَا أُقِرُّ لَكَ وَأَلْتَزِمُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأُقِرُّ وَأَلْتَزِمُ وَأَبْخَعُ بِذَنْبِي ، فَمِنْكَ النِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْفَضْلُ ، وَمِنِّي الذَّنْبُ وَالْإِسَاءَةُ ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي بِمَحْوِ ذَنْبِي ، وَأَنْ تُعْفِيَنِي مِنْ شَرِّهِ ، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ .
فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ ، فَأَيُّ حَسَنَةٍ تَبْقَى لِلْبَصِيرِ الصَّادِقِ ، مَعَ مُشَاهَدَتِهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ وَعَمَلِهِ ، وَمِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ فَهَذَا الَّذِي يُعْطِيهِ نَظَرُهُ إِلَى نَفْسِهِ وَنَقْصِهِ . “اه مدارج السالكين