إنما الغنى غنى القلب ، والفقر فقر القلب

Home / الحديث / إنما الغنى غنى القلب ، والفقر فقر القلب
إنما الغنى غنى القلب ، والفقر فقر القلب
عن ابي هريرة مرفوعا :”ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس” رواه البخاري ومسلم و((العَرَض)): أي متاع الدنيا.
 
قال ابن بطال رحمه الله: “معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيراً ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي؛ فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه؛ فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي، ولم يحرص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني!، وقال القرطبي رحمه الله: معنى الحديث أنَّ الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفَّت عن المطامع، فعزَّت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة، والشرف والمدح؛ أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه، فإنه يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.
 
قال الشيخ محمد بن عمر بن سالم بازمول : ” عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (( يا أبا ذر ، أترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : فترى قلة المال هو الفقر ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : إنما الغنى غنى القلب ، و الفقر فقر القلب )) . رواه ابن حبان وصححه الالبانيوفقر القلب : خلوه من دوام الافتقار إلى الله في كل حال ، وبعده عن مشاهدة فاقته التامة إلى الله تعالى من كل وجه .وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب ؛ بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره ، فيتحقق أنه المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكره على نعمائه ، ويفزع إليه في كشف ضرائه ، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى 
وهذا المعنى يرجع إلى الفقر الذي ذكره الله تبارك و تعالى في قوله في سورة [ فاطر : 15 ] : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ } ، وهي مكية .
 
إن قيل ما وجه استعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر ؟
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: ” الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت و الكفاف ، ولا يستقر معه في النفس غنى ؛ لأن الغنى عنده صلى الله عليه وسلم غني النفس ، وقد قال تعالى : { وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى } [ الضحى : 8 ] ، ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله ، وكان الغنى محله في قلبه ثقة بربه ، وكان يستعيذ بالله من فقر منسي ، وغنى مطغي .وفيه دليل على أن للغنى و الفقر طرفين مذمومين ، وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى ) ا.هـ
 
النفس تجزع أن تكون فقيـــرة      والفقر خيــرٌ من غنى يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت       فجميع ما في الأرض لا يكفيه
 
وهذه حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته، ويضحي بوقته يريد المزيد، وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غده، فالعلة في القلوب: رضىً وجزعاً، واتساعاً وضيقاً، وليست في الفقر والغنى.
 
وسُئل أبو حازم – مالك بن دينار- فقيل له” ما مالك؟ 
قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر:الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس”  .
والحمد لله رب العالمين .