إنَّ ربَّنا لغَفورٌ شَكورٌ

Home / الزهد و الرقائق / إنَّ ربَّنا لغَفورٌ شَكورٌ
إنَّ ربَّنا لغَفورٌ شَكورٌ
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الامام ابن القيم رحمه الله :
” إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقه به الى اجل الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون اليها إلاّ على جسر من الإبتلاء والإمتحان وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل الى عبورهم الى الجنة إلاعليه وكان ذلك الإبتلاء ولامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة …….
وتأمل حال  نوح صلى الله عليه و سلم وما آلت اليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى أقرَّ الله عينه واغرق اهل الارض بدعوته وجعل العالم بعده من ذريته وجعله خامس خمسة وهم اولو العزم الذين هم افضل الرسل وأمر رسوله ونبيه محمدا صلى الله عليه و سلم ان يصبر كصبره واثنى عليه بالشكر فقال : ” إنه كان عبدا شكورا ” فوصفه بكمال الصبر والشكر ……..

ثم تأمل حال ابينا إبراهيم صلى الله عليه و سلم إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء  وخليل رب العالمين من بني آدم وتأمل ما آلت اليه محنته وصبره وبذله نفسه لله وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه الى ان اتخذه الله خليلا لنفسه وامر رسوله وخليله محمدا صلى الله عليه و سلم ان يتبع ملته ,

وأنبهك على خصلة واحدة مما اكرمه الله به في محنته بذبح ولده فإن الله تبارك وتعالى جازاه على تسليمه ولده لأمر الله بان بارك في نسله وكثرة حتى ملأ السهل والجبل .
 فإن الله تبارك وتعالى لا يتكرّم عليه احد وهو اكرم الاكرمين فمن ترك لوجهه امرا او فعله لوجهه بذل الله له اضعاف ما تركه من ذلك الامر اضعافا مضاعفة وجازاه باضعاف ما فعله لاجله اضعافا مضاعفة .
فلما أمر إبراهيم بذبح ولده فبادر لامر الله ووافق عليه الولد أباه رضاء منهما وتسليما وعلم الله منهما الصدق والوفاء فداه بذبح عظيم واعطاهما ما اعطاهما من فضله وكان من بعض عطاياه ان بارك في ذريتهما حتى ملؤا الأرض.
فإن المقصود بالولد إنما هو التناسل وتكثير الذرية ولهذا قال إبراهيم: ” رب هب لي من الصالحين ” ، وقال : “رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ”  فغاية ما كان يحذر ويخشى من ذبح ولده انقطاع نسله فلما بذل ولده لله وبذل الولد نفسه ضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثر حتى ملؤا الدنيا وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة وأخرج منهم محمدا صلى الله عليه و سلم .
فإذا جئت الى النبي صلى الله عليه و سلم وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله واحتماله مالم يحتمله نبي قبله وتلون الأحوال عليه من سلم وخوف وغنى وفقر وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله وقتل احبابه واوليائه بين يديه واذى الكفار له بسائر أنواع  الاذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان…
وهو مع ذلك كله صابر على امر الله يدعو الى الله فلم يؤذ نبي ما أوذي ولم يحتمل في الله ما احتمله ولم يعط نبي ما اعطيه فرفع الله له ذكره وقرن اسمعه باسمه وجعله سيد الناس كلهم وجعله اقرب الخلق اليه وسيلة واعظمهم عنده جاها واسمعهم عنده شفاعة .
وكانت تلك المحن والإبتلاءات عين كرامته وهي مما زاده الله بها شرفا وفضلا وساقه بها الى أعلا المقامات وهذا حال ورثته من بعده الامثل فالأمثل كل له نصيب من المحنة يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له .” اه مفتاح دار السعادة– (1 / 299).

والحمد لله رب العالمين