إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

Home / التفسير / إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله سبحانه تعالى : ” {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهُمْ بِهَا فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُم كَافِرُونَ} [التوبة: 55]
 

بعد أن ذكر الامام ابن القيم أقوال أهل التفسير في معنى الاية قال رحمه الله في كتابه ” إغاثة اللهفان ” :

والصواب، والله أعلم، أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها ومقاساة أنواع المشاق في ذلك،
فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: “ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ” وقوله: “إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ“.
أي يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم .
وهكذا من كانت الدنيا كل همه أو أكبر همه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: ” مَن كانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِناهُ في قَلْبِهِ، وجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ. ومَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، ولَمْ يأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ لَهُ“.
ومن أبلغ العذاب في الدنيا: تشتيت الشمل وتفرق القلوب، وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو أو يصرخ منه.  

قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب.
ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث:
همّ لازم،
– وتعب دائم،
وحسرة لا تنقضى،
وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه،
كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: “لَوْ كانَ لابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى لهَما ثالِثا“.
وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا.  
 
إلى أن قال رفع الله درجته في المهديين  :” وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم فى طلبها.
ولما كانت هى أكبر هَمّ من لا يؤمن بالآخرة، ولا يرجو لقاء ربه، كان عذابه بها بحسب حرصه عليها، وشدة اجتهاده فى طلبها.
وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فانٍ فى حب معشوقه، وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه، ولا يفى له ويهجره ويصل عدوه. فهو مع معشوقه فى أنكد عيش، يختار الموت دونه، فمعشوقه قليل الوفاء، كثير الجفاء، كثير الشركاء، سريع الاستحالة، عظيم الخيانة، كثير التلون، لا يأمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله، مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تريحه، ولا وصال يدوم له، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به، فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به، التى شغلته عن سعيه فى طلب زاده، ومصالح معاده؟” اه  
والحمد لله رب العالمين .

Hits: 100