اسْتَحْيِ مِنْ الله عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ‎

Home / الحديث / اسْتَحْيِ مِنْ الله عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ‎
اسْتَحْيِ مِنْ الله عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ‎
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ : “ دَعْهُ ; فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ ” 

قال الحافظ ابن رجب في كتابه – فتح الباري – : هَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ” الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ” . 

وَالْحَيَاءُ نَوْعَانِ : 

أَحَدُهُمَا غَرِيزِيٌّ ، وَهُوَ خُلُقٌ يَمْنَحُهُ اللَّهُ الْعَبْدَ وَيَجْبُلُهُ عَلَيْهِ ، فَيَكُفُّهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ ، وَيَحُثُّهُ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ . وَهُوَ مِنْ أَعْلَى مَوَاهِبِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ، فَهَذَا مِنَ الْإِيمَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُؤْثِرُ مَا يُؤْثِرُهُ الْإِيمَانُ مِنْ فِعْلِ الْجَمِيلِ ، وَالْكَفِّ عَنِ الْقَبِيحِ .  وَرُبَّمَا ارْتَقَى صَاحِبُهُ بَعْدَهُ إِلَى دَرَجَةِ الْإِيمَانِ ، فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ . 
 
كَمَا قَالَ عُمَرُ : ” مَنِ اسْتَحْيَا اخْتَفَى ، وَمَنِ اخْتَفَى اتَّقَى ، وَمَنِ اتَّقَى وُقِيَ ” .
وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ : ” تَرَكْتُ الذُّنُوبَ حَيَاءً أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ أَدْرَكَنِي الْوَرَعُ ” .
وَقَالَ ابْنُ سَمْعُونَ : ” رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ نَذَالَةً ، فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً ، فَاسْتَحَالَتْ دِيَانَةً ” .

وَالنَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا إِمَّا مِنْ مَقَامِ الْإِيمَانِ كَحَيَاءِ الْعَبْدِ مِنْ مَقَامِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدَادُ لِلِقَائِهِ . أَوْ مِنْ مَقَامِ الْإِحْسَانِ ، كَحَيَاءِ الْعَبْدِ مِنِ اطِّلَاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ ، فَهَذَا مِنْ أَعْلَى خِصَالِ الْإِيمَانِ .

وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ ” اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي  عَشِيرَتَكَ لَا يُفَارِقَانِكَ ” . وَرُوِيَ مَوْصُولًا .
وَسُئِلَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ خَالِيًا ، فَقَالَ : ” اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَيَا مِنْهُ ” .


وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَرْفُوعِ “ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَأَنْ تَذْكُرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ” . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ . 

وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي ” تَفْسِيرِهِ ” عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ” أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ” إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يُجَامِعُونَ نِسَاءَهُمْ ، وَيَتَخَلَّوْنَ فَيَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ .

وَكَانَ الصِّدِّيقُ يَقُولُ : ” اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ ; فَإِنِّي أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فَأَظَلُّ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِي حَيَاءً مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ” .

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : ” خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ ، وَاسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ ” .

وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ مِنْ مُطَالَعَةِ النِّعَمِ ، فَيَسْتَحْيِي الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِنِعْمَتِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْلَى خِصَالِ الإيمان .  ” انتهى كلامه رحمه الله