التباس الهدية بالرشوة

Home / الفقه / التباس الهدية بالرشوة
التباس الهدية بالرشوة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال العلامة محمد بن علي فركوس :”الأصل في الهديَّة قَبولُها إذا كان قصدُ المُهدي استجلابَ المودَّة والمعرفة والإحسان إذا لم يكن المهدى إليه صاحبَ مركزٍ إداريٍّ أو منصِبٍ قضائيٍّ أو مسؤوليةٍ تجاه الآخرين، عملاً بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» الادب المفرد  وحسَّنه ابن حجر والألباني
ويُكره ردُّها لغير مانعٍ شرعيٍّ، ففي الحديث: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أخرجه أبو داود في «الزكاة» أمَّا إن كان قصدُ المُهدي التوصُّلَ -بقصده- إلى إبطال حقٍّ أو إحقاق باطلٍ؛ فما قدَّمه من الهدية إنما هو رِشوةٌ محرَّمةٌ لم يحِلَّ قَبولهُا، وصاحبُها ملعونٌ على لسان النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حيث قال: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي» أخرجه ابن ماجه ، وتَرِدُ الرشاوى على شكل هدايا لأهل الولايات والمناصب الإدارية والقضائية ونحوها بغية إمالتهم مع المُهدي، ويدلُّ على تحريمها قولُه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ» رواه أحمد، وفي قوله أيضا : مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌرواه ابو داود                       
ويدخل في ذلك مَن يقضي للمُهدي حاجةً لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ بشَفَاعَةٍ فَأهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أبْوَابِ الرِّبَا» أخرجه أبو داود  أقول : قال العلماء : ” وَذَلِكَ لأَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً ، فَأَخْذُ الْهَدِيَّةِ عَلَيْهَا يُضَيِّعُ أَجْرَهَا ، كَمَا أَنَّ الرِّبَا يُضَيِّعُ الْحَلَالَ “. انتهى من “عون المعبود” (9/ 331).          
وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه لمَّا سئل عن السُّحْتِ: «الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلها» أخرجه الطبري في «التفسير» وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٦٦١٧).                            
والعِلَّةُ في منع الهديَّة في هذه الأحوال إنما هي خشيةُ تَحَوُّلها إلى الرشوة مآلاً: إمَّا في ذات الحكم، وإمَّا في شيءٍ ممَّا يجب قيامُ المسئولية من أهل الولايات به، «وَمَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ».                                       
 فالحاصل: أنَّ الأصلَ في الهديَّة الجوازُ، ويُكرهُ ردُّها إلاَّ لوجود مانعٍ شرعيٍّ قام الدليل على مَانِعِيَّتِهِ مِن قَبول الهدايا، فله -والحالُ هذه- حكمُ الرشوة المحرَّمة كما تقدَّم في شأن أهل المناصب والمصالح والولايات ونحوها.  ” انتهى كلامه   .
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله : “ وأما الهديَّة في الشفاعة ، مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع عنه مظلمة أو يوصل إليه حقَّه ، أو يولِّيه ولاية يستحقها ، أو يستخدمه في الجند المقاتلة وهو مستحق لذلك ، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القرَّاء أو النُّسَّاك أو غيرهم ، وهو من أهل الاستحقاق ، ونحو هذه الشفاعة التي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرَّم ؛ فهذه أيضًا لا يجوز فيها قَبول الهديَّة ، ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصَّل به إلى أخذ حقِّه أو دفع الظلم عنه .  هذا هو المنقول عن السلف والأئمَّة الأكابر .وقد رخَّص بعضُ المتأخِّرين من الفقهاء في ذلك ، وجعل هذا من باب ” الجَعالة ” ،  وهذا مخالف للسُّنَّة وأقوال الصحابة والأئمة .فهو غلط ؛ لأنَّ مثل هذا العمل هو من المصالح العامَّة التي يكون القيام بها فرضًا ، إما على الأعيان وإما على الكفاية ...“.    انتهى من “مجموع الفتاوى” (31/ 286).
والحمد لله رب العالمين              

Hits: 24