الصَّرَعُ الأعظمُ

Home / الحديث / الصَّرَعُ الأعظمُ
الصَّرَعُ الأعظمُ
بسم الله الرحمن الرحيم 
إنَّ صور تسلط الشيطان على الإنسان عديدة ومتنوعة : في دينه بتزيين الشرك والبدع والمعاصي، وفي بدنه بالتلبس والمس والسحر . ومنها أيضا إلقاء الوساوس والخطرات ، ومنها الأحلام المزعجة …..
وأكبر ضرره هو تسلطه على العبد بالإضلال، والصد عن سبيل الله تعالى، والمد في الغي حتى الممات، بما يستوجب النار. وهذا قد أعاذ الله منه عباده الصالحين، كما قال تعالى: ” إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ”     
ومن بديع كلام الامام ابن القيم رحمه الله في هذا النوع – من تسلط الشيطان بالضرر على دين العبد – أنه قال ” أكثرُ تسلطِ الأرواح الخبيثةِ على أهلهِ تكون من جهة قِلَّةِ دينِهم ، وخرابِ قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذِّكرِ ، والتعاويذِ ، والتحصُّناتِ النبوية والإِيمانيَّة ، فَتَلْقَى الروحُ الخبيثةُ الرجلَ أعزلَ لا سلاح معه ، وربما كان عُرياناً فيُؤثر فيه هذا .
ولو كُشِفَ الغِطاء ، لرأيتَ أكثرَ النفوسِ البَشَريةِ صَرْعَى هذه الأرواحِ الخبيثةِ ، وهى في أسرِها وقبضتِها تسوقُها حيثُ شاءتْ ، ولا يُمكنُها الامتناعُ عنها ولا مخالفتها ، وبها الصَّرْعُ الأعظمُ الذي لا يُفيقُ صاحبُه إلا عند المفارقةِ والمعاينةِ ، فهناك يتَحقَّقُ أنه كان هو المصروعَ حقيقةً ، وبالله المستعان ” انتهى .”زاد المعاد” (4/69) 
وقال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره : ” يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: {وَمَنْ يَعْشُ} أي: يعرض، ويصد {عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} الذي هو القرآن العظيم … قيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا … فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا مع قرينه، وهو الضلال والغيّ، وانقلاب الحقائق ….” اه
وأما تسلط الشيطان على الإنسان في بدنه فهو كالأمراض، وأنواع البلاء التي تصيب العبد في بدنه أو أهله أو ماله.     وهذا يصاب به المؤمنون وغيرهم، بل حتى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا له حكم الأمراض التي تجوز على الأنبياء عليهم السلام.
قال القاضي عياض في(الشفا): ” إنما السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته … فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضّل من أجلها  ” اه 

فظهر مما سبق بيانه أنَّ تسلط الشيطان بالضرر على دين العبد، غير تسلطه على بدنه، فالأول يعصم المرء منه على قدر إيمانه، وعمله الصالح، وأما الثاني فقد يبتلى به الأنبياء فمن دونهم

 
وأقول أيضا : الأول من جنس الذنوب والمعايب والثاني من جنس البلاء والمصائب فيُحتج بالقدر عليه وأما الأول فلا يجوز أن يُحتج بالقدر عليه لأن للعبد فيه مشيئة واختيار فيؤاخذ به ويحاسب عليه 
 
وقد نص أهل العلم على الفرق بين النوعين في شرح الحديث المتفق عليه: ” لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني. فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان، ولم يسلط عليه ” اه
 
قال ابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام)يحتمل أن يؤخذ عاما، يدخل تحته الضرر الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة إلى الضرر البدني؛ بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه، وهذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل؛ لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى ذلك: أن يكون الولد معصوما عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، أو يعز وجوده، ولا بد من وقوع ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم. أما إذا حملناه على أمر الضرر في العقل أو البدن: فلا يمتنع ذلك، ولا يدل دليل على وجود خلافه. والله أعلم. اهـ. 
وقال القاضي عياض في (إكمال المعلم)لم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر، والوسوسة، والإغواء. اهـ.  
 
والله أعلم والحمد لله رب العالمين .