الضابط الشرعي في المسابقات

Home / الفقه / الضابط الشرعي في المسابقات
الضابط الشرعي في المسابقات
قال العلامة محمد فركوس حفظه الله : ” إنَّ عموم المسابَقاتِ يمكن ضَبْطُها بضابطٍ شرعيٍّ يظهر في أنَّ: كُلَّ مُسابَقةٍ تَحْرُم إذا ما اشتمَلَتْ على محرَّمٍ ذاتيٍّ أو وصفيٍّ أو شَرْطيٍّ، أو صَدَّتْ عن واجبٍ شرعيٍّ كالصلاة والذِّكر، 
أو استوعبَتْ جميعَ الوقتِ بحيث تَصْرِف عن واجبات الحياة، أو ترتَّبَ عليها ضررٌ مؤكَّدٌ أو مفسدةٌ مُتَحقِّقةٌ فرديَّةً كانَتْ أو جماعيَّةً: كالتحزُّبات وإثارةِ الفتن وتنميةِ الأحقاد والبغضاء والتنافر، أو كانَتْ قائمةً على الحظِّ والمُصادَفةِ كالنَّرد وشِبْهِهِ؛ وفي مثلِ هذه المسابَقاتِ يَحْرُم بَذْلُ العِوَضِ عليها اتِّفاقًا.
أمَّا إذا انتفَتْ هذه الأوصافُ عنها، فإن كانَتْ مبنيَّةً على تحصيلِ المَقاصِدِ الشرعية في الغزو والانتفاعِ بها في الجهاد في سبيل الله فإنَّ السباق عليه محبوبٌ ومرغوبٌ فيه ومَرْضِيٌّ لله تعالى، ويُستحَبُّ بَذْلُ العِوَضِ عليه.
وإن كانَتْ خاليةً مِن المَقاصِد السابقةِ ولا معنى لها سوى بناءِ الجسم وإعدادِه وتقويتِه وتنشيطِ الدم والعضلات بالحركات قَصْدَ إزالةِ الأمراض العالقةِ والأسقامِ المُزْمِنة؛ فإنَّ مِثْلَ هذه المسابَقاتِ تندرج تحت قاعدةِ: «الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ وَالأَعْيَانِ المُنْتَفَعِ بِهَا الإِبَاحَةُ وَالجَوَازُ»، وهي لا تُنافي أصولَ الشريعةِ الآمرةِ ـ في الجملة ـ بإعداد القُوَّة البدنية أو الجسمانية، ولكنَّ بَذْلَ العِوَضِ عليها غيرُ جائزٍ شرعًا.
ودليلُ عدَمِ مشروعيةِ بَذْلِ العِوَضِ على مثلِ هذه المسابَقاتِ ما أخرجه الأربعةُ وأحمدُ مِن حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ».
وهذا الحديثُ ـ وإن رُوِي بإسكان الباء في قوله: «لَا سَبْق...» ـ إلَّا أنَّ المحفوظَ مِن الروايات فَتْحُها، وهذا المرادُ منه: العِوَضُ أو الجُعْلُ أو الرِّهان. وروايةُ الإسكانِ لو سُلِّمَتْ لَكانَتْ محمولةً على نفيِ الكمال والتمام، أي: لا سَبْقَ أَكْمَلُ منفعةً وأتمُّ مصلحةً إلَّا في الثلاثة.
وظاهِرُ الحديثِ يدلُّ على مشروعيةِ المسابَقات وحصرِ بَذْلِ العِوَضِ على المذكورات في الحديث بكونها رياضةً محمودةً باعثةً على تحصيلِ المَقاصِدِ الشرعية السالفةِ البيانِ، وما عدا ذلك فقَدْ نَفَاهُ الشرعُ إمَّا بمفهومِ الحصر أو بكونِ الأصلِ في الأموالِ التحريمَ.
وعليه فلا يُعْدَل عن حكمِ المنعِ ولا يُخْرَمُ الحصرُ الواردُ في الحديث إلَّا بوجودِ دليلٍ صارفٍ أو قياسٍ سائغٍ تتجلَّى فيه تلك المَقاصِدُ الشرعية حتَّى يصحَّ بَذْلُ الجُعْلِ أو العِوَضِ عليها.
وممَّا يُعْدَل به عن الأصل المقرَّرِ في المنعِ لوجودِ نصٍّ صارفٍ عنه: مُصارَعةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رُكانةَ بنَ عبدِ يزيدَ رضي الله عنه على شاةٍ وذلك قبل إسلامه فصَرَعَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ عاد فصَرَعَه، فأَسْلَمَ فردَّ عليه الغَنَمَ، والحديثُ جَوَّده ابنُ القيِّم وحسَّنه الألبانيُّ؛ فيكون الحديثُ مخصِّصًا لعمومِ مَنْعِ البذل للعِوَض بالشروط والقيود المذكورة آنفًا.
ويُلْحَق به كذلك المُسابَقاتُ العِلميةُ على حِفْظِ القرآن الكريم والحديثِ النبويِّ الشريف ودرايته، ومعرفةِ أحكام الفقه الإسلاميِّ والسيرةِ النبوية وغيرِها مِن العلوم النافعة؛ إذ تُنَمِّي القدراتِ العلميةَ وتُوَسِّعُ دائرتَها وتبعث في النفس حُبَّ التعلُّم والمعرفة، وتُشَجِّعُ التنافسَ على الخير والنفع.
ويدلُّ عليه ما أخرجه الترمذيُّ: أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيقَ رضي الله عنه وأرضاه رَاهَنَ كُفَّارَ مكَّةَ على غَلَبَةِ الرومِ للفرس، وقد بَذَلَ كُلٌّ منهما جُعْلًا للآخَرِوالحادثةُ وَقَعَتْ في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم واشتهرت مِن غير نكيرٍ، ولم تكن لتَخْفى عليه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فدلَّ إقرارُه له على جوازِه، علمًا بأنَّ الروم إنَّما انتصرَتْ في السنةِ السادسةِ مِن الهجرة أو ما بَعْدَها ولم يَقُمْ دليلُ نَسْخِه.
ومِن جهةٍ أخرى فإنَّ الدِّين قيامُه بالحُجَّةِ والجهاد؛ فإذا جازَتِ المراهَنةُ على آلات الجهاد فهي في العلمِ أَوْلى بالجواز، وهو مذهبُ الأحناف وبه قال ابنُ تيمية وارتضاه ابنُ القيِّم رحمهم اللهُ تعالى.
ومِن بينِ الأقيسة التي يمكن إلحاقُها بالمُسْتَثْنَيَات الثلاثةِ السابقة المذكورةِ في الحديث في جوازِ بَذْلِ العِوَضِ عليها: المُسابَقةُ على الأقدام مشيًا وجريًا، وقد نَقَل النوويُّ وابنُ القيِّمِ الإجماعَ على جوازِ المُسابَقةِ على الأقدام بدون عِوَضٍ. ومستَنَدُ الإجماعِ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا كان في سفرٍ مع عائشةَ رضي الله عنها فسابَقَتْه على رِجْلَيْها فسَبَقَتْه، فلمَّا حَمَلَتِ اللَّحْمَ سابَقَتْه فسَبَقَها فقال: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ»، وروى مسلمٌ أنَّ سَلَمَةَ بنَ الأكوع رضي الله عنه سابَقَ رجلًا مِن الأنصار بحَضْرَةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِ ذي قَرَدٍ.
أمَّا بَذْلُ العِوَضِ في المُسابَقة على الأقدامِ فحكمُها الجوازُ على الصحيح لِما فيه مِن رياضةِ البدن وتمرينِه على خِفَّةِ الحركةِ والإسراع والنشاطِ ممَّا هو مطلوبٌ في الغزو ويُسْتعانُ به في تحصيلِ المَقاصِدِ الشرعية، ولا يختلف عن الخيل في قتال الفرسان، وهو داخلٌ تحت قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، 
قال الزُّهْريُّ ـ رحمه الله ـ: «كانوا يُسْبِقون على الخيل والرِّكاب وعلى أقدامهم»، وإلى تجويزِ البذل ذَهَبَ الأحنافُ وبعضُ الشافعيةوهو مِن اختياراتِ ابنِ تيمية رحمهم اللهُ تعالى.
وعليه، فإنَّ الحديث الوارد في نفيِ السَّبَق لا يُحْمَل على النفي المطلق، ولا يكون التنصيصُ على الثلاثة في الحديثِ استثناءً وإن خَرَجَ مَخْرَجَ الاستثناء.
وإنَّما المقصودُ به التوكيدُ على معنَى أنَّ أحقَّ ما بَذَلْتُم عليه السَّبَقَ هذه المذكوراتُ الثلاثةُ لشمولِ نَفْعِها وتمامِ مصلحتها، وهو ما لا ينفي جوازَ ما عداه في بَذْلِ العِوَض، ومثلُه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»، أي: الرِّبا الأغلظُ والأشدُّ في النسيئة ولا ينفي رِبَا الفضل.
هذا، وإذا تقرَّر عدَمُ جوازِ بَذْلِ العِوَض في المسابَقات التي لم يدلَّ عليها النَّصُّ أو لم تكن في معنى النصِّ كالمسابَقات بالكُرَة عمومًا فإنَّه يُمْنَع فيها بذلُ العِوَضِ بأَنْ يأخذ أحَدٌ منهما بسببِ فوزِه مبلغًا ماليًّا أو عينيًّا أو نسبةً يتميَّز بها الفائزُ عن الخاسر، سواءٌ كان البذلُ مِن منظِّمِ المُسابَقةِ أو مِن المتسابِقَيْنِ جميعًا أو أحَدِهما أو أجنبيٍّ خارجٍ عنهما ببذلِ جزءٍ مِن ذلك الجُعْل.
وهذا كُلُّه فيما إذا كان المالُ مشروطًا للسابق على سَبْقِه، وهو الجُعْل الواقعُ رَهْنًا على المسابَقة، فإن كانَتِ المسابَقةُ مرهونةً بمالٍ فإنه لا تصحُّ المسابَقةُ ولا بَذْلُ العِوَضِ عليها بهذه الصفةِ كما تقدَّم ” اه

Hits: 96