العامُ المحفوظُ مُقَدَّمٌ على العام الذي دخله تخصيص

Home / الرئيسية / العامُ المحفوظُ مُقَدَّمٌ على العام الذي دخله تخصيص
العامُ المحفوظُ مُقَدَّمٌ على العام الذي دخله تخصيص

 قال العلامة الجزائري محمد علي فركوس حفظه الله : 

” الصّحيحُ أنّه يُرجَّحُ العمومُ المحفوظُ على العمومِ المتّفقِ على تخصيصِه، وبهذا قال الجمهورُ، 

وتظهر أولويّةُ العمومِ الذي لم يُجمَعْ على تخصيصِه من وجهين:

الأوّل: أنَّ الذي دخله التّخصيصُ قد أُزيل عن تمامِ مسمَّاه فكان مجازًا، بخلاف الذي لم يدخلْه التّخصيصُ فلم يُزَلْ عن تمامِ مسمَّاه فكان حقيقةً، والحقيقةُ مقدَّمةٌ على المجازِ.

الثّاني: أنَّ الذي دخله التّخصيصُ ضعيفٌ بالنّظرِ إلى الاختلافِ الحاصلِ في حُجِّيةِ العمومِ بعد تخصيصِههل يبقى حُجَّةً فيما بقي من العمومِ أم لا ؟، والذي لم يخصَّص أرجحُ للاتّفاقِ على حُجِّيَّتِه بخلافِ المخصَّص ففيه خلافٌ.

وخالف في هذه المسألةِ صفيُّ الدِّينِ الهنديُّ والسُّبكيُّ ومَن وافقَهما، حيث يقرِّرون أنَّ العامَّ المخصَّصَ مُقدَّمٌ على الذي لم يدخلْه التّخصيصُ لاعتبارين:

١- أنَّ الذي دخله التّخصيصُ من العامِّ هو الغالبُ والكثيرُ، والذي لم يدخلْه التّخصيصُ نادرٌ، والغالب أرجحُ من النّادرِ.

٢- أنَّ العامَّ المخصَّصَ قد قلَّت أفرادُه حتّى قارب النّصَّ، إذ كُلُّ عامٍّ لا بُدَّ أن يكون نصًّا في أقلِّ متناوَلاتِه، وإذا قَرُبَ من الأقلِّ فقد قَرُبَ من التّنصيصِ، والنّصُّ أَوْلَى بالتقديمِ من الظّاهرِ.

ومذهبُ الجمهورِ أقوى؛ لأنَّ العامَّ إذا دخله التّخصيصُ -وإن كان غالبًا- أو قلَّت أفرادُه حتى قارب النّصَّ فإنّه يصير مجازًا ويضعف لفظُه، والعامُّ الذي لم يدخلْه التّخصيصُ -وإن كان نادرًا في الشّريعةِ- إلاَّ أنّه باقٍ على قُوَّتِهِ للاتّفاقِ على حُجِّيَّتِه؛ ولأنَّ دلالةَ العامِّ غيرِ المخصوصِ قطعيّةٌ على الصّحيحِ، بينما دلالةُ العامِّ المخصوصِ ظنِّيّةٌ، فيُرجَّحُ القطعيُّ على الظّنِّيِّ، ولو كان العامُّ المخصوصُ قد قَلَّتْ أفرادُه حتّى قارب النّصَّ؛ فإنَّ العامَّ غيرَ المخصوصِ نصٌّ في جميعِ متناوَلاتِه قطعًا بالأصالةِ إذا خلا من ورودِ احتمالٍ، بخلافِ العامِّ المخصوصِ، فلذلك كان العامُّ الذي لم يقترنْ بما يمنع اعتبارَ عمومِهِ أَوْلَى مِن المقترنِ بما يمنع اعتبارَ عمومِه.

ويمكن التّمثيلُ له بآيةِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فإنّها ليستْ باقيةً على عمومِها بإجماعِ المسلمين؛ لأنَّ الأُختَ من الرّضاعِ لا تَحِلّ بمِلْكِ اليمينِ بالاتّفاقِ؛ للإجماعِ الحاصلِ على أنَّ عمومَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وموطوءةُ الأبِ لا تَحِلُّ بمِلْكِ اليمينِ بالاتّفاقِ للإجماعِ على أنَّ عمومَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، أمَّا عمومُ آيةِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فلم يدخلْها تخصيصٌ، فتُقَدَّم على الآيةِ التي دخلها تخصيصٌ، وعليه فلا يجوز الجمعُ بين الأُختين بمِلْكِ اليمينِ في التّسرّي “اه

Hits: 125