العزاء عبادة وليس عادة

Home / الحديث / العزاء عبادة وليس عادة
العزاء عبادة وليس عادة
بسم الله الرحمن الرحيم
نعم ، إنَّ من السُنَّة  تعزية من أصابته مصيبة الموت ، فقد رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “ ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة “. رواه ابن ماجه، وحسَّنه الألباني.
لكن لا بدَّ من اتباع السنة في كل عبادة بعد الاخلاص فيها حتى تقبل منا .
قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[الملك:2]
قال الفضيل بن عياض -رحمه الله– : ” أحسن العمل: أخلصه وأصوبه .
قالوالخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السنة ،
وإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصاً صوابا” اه
وقد دل على هذا قول الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف:110] فلا بد أن يسلم العمل من الرياء المنافي للإخلاص، ومن البدعة المضادة للسنة
فالتعزية ليس فيها تجمع ولا مراسيم ولا تكلف، فكل ذلك من المحدثات التي يجب الابتعاد عنها فلم يكن السلف الصالح ـرضي الله عنهم ـ يتكلفون فيه، بل بعضهم يعزي بعضا عند اللقاء في أي مكان في المقبرة أو المسجد أو البيت أو الطريق.
قال العلامة الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :” التعزية سنة ، التعزية من العبادة ، فإذا صيغت العبادة على هذا الوجه الذي لم يكن معروفا في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، صارت بدعة ولهذا جاء الثواب في فضل من عزى المصاب،والثواب لا يكون إلا عن العبادات 

 

ومن الناس من يقول : إنَّ اجتماع الناس للعزاء وما يتبع ذلك من تحديد لوقت العزاء وتهيئة الأماكن لاستقبال المعزين هو من قبيل العادات وليس لها علاقة بالعبادة وأن العزاء يتحقق من خلال الاجتماع!!
سبحان الله ! ومن أين جاءتنا البدع والمخالفات إلا من العادات التي تمكَّنت في النفوس فأصبحت كأنها شريعة ربانية يجب اتباعها!!..

 

إنَّ تجمعات الناس أمام  البيوت في القرى  أو في قاعات مخصصة لذلك  أو نصب الخيام وعقود كهرباء ومشروبات وتُمُور وخدم وكراسي ومدفئات غازية وإغلاق للشوارع في المدن… كلها تنطع ما أنزل الله به من سلطان…

بل أصبح المقصود من المجيء الى بيت العزاء هو تسجيل حضور فقط – إلا مارحم ربي – ولهذا لو عزَّاه في المقبرة أو في المسجد فلم يؤدي الواجب بزعمهم حتى يأتي مجلس العزاء ، بالإضافة إلى إرهاق ذوي المتوفى وزيادة الأعباء عليهم فوق مصابهم..

 

وهذه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 9/137-138 : ” التعزية مشروعة، وفيها تعاون على الصبر والمصيبة، ولكن الجلوس للتعزية على الصفة المذكورة، واتخاذ ذلك عادة لم يكن من عمل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من عمل أصحابه، فما اعتاده الناس من الجلوس للتعزيةحتى ظنوه دينا، وانفقوا فيه الأموال الطائلة، وقد تكون التركة ليتامى، وعطلوا فيه مصالحهم، ولاموا من لم يشاركهم ويفد إليهم، كمن ترك شعيرة إسلامية، هذا من البدع المحدثة ، التي ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عموم قوله: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” متفق عليه، وفي الحديث ” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ” رواه أبو داود والترمذي .

 فأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، فهم لم يكونوا يفعلون ذلك، وحذَّر من الإبتداع والإحداث في الدين، وبين أنه ضلال .
 
فعلى المسلمين أن يتعاونوا على إنكار هذه العادات السيئة والقضاء عليها إتباعاً للسنة ، وحفظ الأموال والأوقات، وبعداً من مثار الأحزان، وعن التباهي بكثرة الذبائح ووفود المعزين، وطول الجلسات، وليسعهم ما وسع الصحابة والسلف الصالح من تعزية أهل الميت، وتسليتهم والصدقة عنه والدعاء له بالمغفرة والرحمة.” انتهى
قال الامام ابن باز رحمه الله  : ” إنما السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين ، وإنما يشرع لكل مسلم أن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها. وإذا قابله شرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب
ثمَّ إنَّ بناء القاعات لتجمُّعِ المُعزّين وجلوسهم فيها بحجَّة التخفيف عن أهل الميت أو غير ذلك فهو من المحدثات التي يجب تجنبها والابتعاد عنها، وذلك لما رواه الإمام أحمد وغيره عن جرير بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ  قال: ” كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة “.
إذا كان مجرد هذا نياحة، فما بالك بإعداد الأماكن الثابتة لذلك؟
قال العلامة صالح السحيمي : ” إقامة المآتم والمخيمات والسرادقات هذا من أعمال الجاهلية بل كان شيوخنا وعلى رأسهم شيخنا الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين لم يكن يجلس حتى في بيته للعزاء بل إن شيخنا الشيخ ابن عثيمين كان يغلق على نفسه الباب إذا توفي له قريب لألاّ تحصل تجمعات .
فعقد تجمعات بعد أن يُتوفى أحد من أقاربك هذا من أعمال الجاهلية ولا تجوز ، ناهيك عما قد يُفعل فيها من ولائم ومخالفات ويُرتكب فيها من محرمات ” اه

وبالنسبة لصنع الطعام لأهل الميت: فاذا رأى الاقارب أو الجيران أن المصيبة قد شغلت أهل بيت الميت يوم الدفن بسبب تغسليه وتكفينه وما يتبع ذلك ، فليصنعوا لهم طعاما وليرسلوه اليهم وكلما كان أخفى عن أعين الناس كان أعظم أجرا وأبعد عن الرياء و المباهاة والمفاخرة وليتجنبوا التكلف فيه ،  ولا يكن صنع الطعام كأنه دعوة الى وليمة تشمل جمبع أقارب الميت ويدعى أيضا أقارب المضيف لاستقبالهم وتمد الطاولات والكراسي كأنها وليمة عرس مما فوت المقصود الشرعي من سنة صنع الطعام لآل الميت. 
ومما يدل على تزين الشيطان لهذا الطريقة المحدثة في التعزية كثرة الوافدين  الى ” بيوت العزاء ” حتى الفساق والملاحدة يحضرون وترى الوفود تأتي من الحزب الفلاني والحركة العلانية ويتكلم في المجلس من هب ودَبَّ ، حتى خطب في اجتماع العزاء أحد رؤوس القوميين الفجرة الذين يسخرون من الدين ليل نهار وأشاد بالميت وابنائه لانهم ينتمون لحزبه ويصوتون له !!!
ومنهم من يحضر مرات في اليوم ولا يحضر الى المسجد اذا سمع النداء مع أن صلاة الفريضة في المسجد واجبة على الأعيان والتعزية مستحبة وليست بواجبة من أتى بها على وجهها الشرعي فله الاجر ومن تركها فلا أثم عليه ، وقد سمعت مرة بعض خطباء المساجد الذين يتخرَّصون في الدين يقول :         ” ان التعزية من أوجب الواجبات!! ” وهو لا يُحسن الصلاة !!
قال عليه الصلاة والسلام :”هلك المتنطعون – ثلاثا –  . رواه مسلم
والتنطع المذموم هو الخروج عن السنة بالغلو والزيادة فيها ، والتكلف في العبادات وتقديس العادات وطغيانها على الشريعة السمحة …..
ونحن في زمان عجيب غريب قُلبت فيه الموازين وبُدِّلت الحقائق حتى تجد أنَّ كثيرا من الناس اليوم يرمون مَنْ يتمسك بالسنة ويعتزل البدع وأهلها أنه متشدد أو متنطع !!! – سبحانك ربي ! – ” رمتني بدائها وانسلت ” .
فكيف يكون الالتزام بشعائر الدين والامر بالمعرف والنهي عن البدع والمحدثات وغيرها من المنكرات مع التمسك بالسنة ، والعض عليها بالنواجذ تنطعا !!؟ ،
 فيا أهل السنة والاثر : تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، كما كان يوصى سلف هذه الامة بعضهم بعضا ، أهل الفقه والنظر وأهل التقوى والورع .
فعن الربيع بن سليمان رحمه الله قالقال لي الامام  الشافعي  يا ربيع ! رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك بما يصلحك فالزمه فإنه لا سبيل إلى رضاهم “ اه
نسأل الله تعالى الصلاح في الدنيا والاخرة والعافية في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا.
والحمد لله رب العالمين