الفرق بين الرِّياء في العبادة والتشريك فيها

Home / الفقه / الفرق بين الرِّياء في العبادة والتشريك فيها
الفرق بين الرِّياء في العبادة والتشريك فيها

ذَكَر الإمام القرافيُّ رحمه الله في «فروقه» فَرْقًا دقيقًا بين قاعدة الرِّياء في العبادة والتشريك فيها، فأَوضحَ أنَّ الرِّياءَ شركٌ وتشريكٌ مع الله تعالى في طاعته، وهو مُوجِبٌ للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، وأنَّ ضابطَها: أَنْ يعمل العملَ المأمور به المتقرَّبَ به إلى الله ويقصد به وجهَ الله تعالى وأَنْ يعظِّمه النَّاسُ أو بعضُهم فيَصِلَ إليه نفعُهم أو يندفع عنه ضررُهم، فهذا أحَدُ قسمَيِ الرِّياء وهو «رياء الشِّرك»، وقسمٌ آخَرُ يعمل العملَ لا يريد به وجهَ الله ألبتَّةَ، بل يريد الناسَ فقط، فهذا القسم يسمَّى: «رياءَ الإخلاص»، فالغرض مِنَ الرِّياء هو التعظيم وما يتفرَّع عنه مِنْ جلب المصالح ودفعِ المَضارِّ الدنيوية.

وأمَّا مُطلَقُ التشريك كمَنْ يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المالُ مِنَ الغنيمة؛ فهذا لا يضرُّه ولا يَحْرُم عليه بالإجماع لأنَّ الله جَعَل له هذا في العبادة، فَفَرْقٌ بين جهاده ليقولَ الناسُ: هذا شجاعٌ، أو ليعظِّمه الإمامُ فيكثر عطاؤه مِنْ بيت المال، وهذا ونحوُه رياءٌ حرامٌ، وبين أَنْ يجاهد لتحصيل المغانم مِنْ جهةِ أموال العدوِّ مع أنه قد شرَّك، فلا يصدق على المال المأخوذِ في الغنيمة لفظُ الرِّياء لعدم الرؤية فيها.
وكذلك مَنْ حَجَّ وشرَّك في حَجِّه غرضَ المتجر، ويكون جُلُّ مقصودِه أو كُلُّه السَّفرَ للتجارة خاصَّةً، ويكون الحجُّ إمَّا مقصودًا مع ذلك أو غير مقصودٍ، ويقع تابعًا اتِّفاقًا، فهذا ـ أيضًا ـ لا يقدح في صِحَّة الحجِّ ولا يُوجِب إثمًا ولا معصيةً.
وكذلك مَنْ صام ليصحَّ جسدُه، أو ليحصل له زوالُ مرضٍ مِنَ الأمراض التي يُنافِيها الصَّومُ ويكون التداوي هو مقصودَه أو بعضَ مقصوده، والصَّومُ مقصودٌ مع ذلك؛ وإيقاعُ الصَّوم مع هذه المقاصدِ لا يقدح في صومه، بل أَمَر بها صاحبُ الشرع في قوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(٣).
واستتبع رحمه الله كلامَه بقوله: «وجميعُ هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيمُ الخَلْق، بل هي تشريكُ أمورٍ مِنَ المصالح ليس لها إدراكٌ، ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم، فلا يقدح في العبادات».
ثمَّ قال رحمه الله: «فظهر الفَرْقُ بين قاعدة الرِّياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرضًا آخَرَ غيرَ الخَلْق مع أنَّ الجميعَ تشريكٌ، نعم لا يمنع أنَّ هذه الأغراضَ المُخالِطة للعبادة قد تنقص الأجرَ، وأنَّ العبادة إذا تجرَّدَتْ عنها زاد الأجرُ وعَظُمَ الثواب، أمَّا الإثمُ والبطلان فلا سبيلَ إليه، ومِنْ جِهَتِه حَصَل الفرقُ لا مِنْ جهةِ كثرة الثواب وقِلَّته»

Visits: 10