الفرق بين معنى النَسْخ عند السلف المتقدمين ومعناه عند المتأخرين

Home / الفقه / الفرق بين معنى النَسْخ عند السلف المتقدمين ومعناه عند المتأخرين
الفرق بين معنى النَسْخ عند السلف المتقدمين ومعناه عند المتأخرين
بسم الله الرحمن الرحيم 

قال الامام ابن القيم في اعلام الموقعبن: ” ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة ـ وهو اصطلاح المتأخرين ـ  ، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد.
فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارجٍ عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر “.

وقال الامام الشاطبي في الموافقات: ” وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً”  .و

قال العلامة السخاوي في ” جمال القراء “ : ” فإن قولنا: نسخٌ وتخصيصٌ واستثناءٌ؛ اصطلاحٌ وقع بعد ابن عباس، وكان ابن عباس يسمي ذلك نسخاً “.
وقال أيضا: ” وإنما وقع الغلط للمتأخرين من قبل عدم المعرفة بمراد المتقدمين، فإنهم كانوا يطلقون على الأحوال المتنقلة النسخ، والمتأخرون يريدون بالنسخ نزول النص ثانياً رافعاً لحكم النص الأول “.
وقال أيضا : ” وهذا مما يوضح ما قلته من أنهم كانوا يُطلقون النسخ على غير ما نطلقه نحن عليه… فلا تغتر بقولهم: منسوخ؛ فإنهم لا يريدون به ما تريد أنت بالنسخ“.

وقال العلامة القرطبي في تفسيره: ” والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخاً توسعاً وتجوزاً “. 
 
 ويمكن التمثيل لإطلاق السلف النسخَ على هذه الأنواع بما يلي:
أولاً: إطلاقهم النسخ على تخصيص العام:
مثاله: ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) النور: 27 ] الآية ثم نَسَخَ واستثنى من ذلك: ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم )  النور: 29
قال ابن الجوزي ( ت: 597 هـ ): ” وهذا تخصيص لا نسخ “.
ثانياً: إطلاقهم النسخ على تقييد المطلق:
مثاله: ما روي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) الاسراء أنه ناسخٌ لقوله تعالى: ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) الشورى .
قال الشاطبي في الموافقات: ” وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق؛ إذ كان قوله: ( نؤته منها ) مطلقاً ومعناه مقيد بالمشيئة، وهو قوله تعالى: ( لمن نريد ) وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ”.

ثالثاً: إطلاقهم النسخ على تبيين المبهم:
مثاله: ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ( قل الأنفال لله والرسول ) [ الأنفال: 1 ]، أنه منسوخ بقوله تعالى: ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) [ الأنفال: 41 ].
وإنما ذلك بيانٌ لمبهم في قوله تعالى: ( لله والرسول ) [ الأنفال: 1 ] (14).

 
رابعا: إطلاقهم النسخ على المُنسأ وهو ما تُرك العمل به مؤقتاً لانتقال العلة:

ومثاله: من قال بنسخ جميع الآيات الآمرة بالعفو أو الصفح أو الإعراض عن المشركين والكفار، بالآيات الآمرة بقتالهم أو بأخذ الجزية منهم.
قال قتادة: ” كلُّ شيءٍ في القرآن -” فأعرض عنهم وانتظر “ منسوخٌ، نسخته براءة والقتال

 
خامسا: إطلاق النسخ على نقل حكم الإباحة الأصلية 
 مثاله: ما وقع في شأن تحريم الخمر، فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) [ النساء: 43 ] و ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) [ البقرة: 219 ] نسختهما التي في المائدة: ( إنما الخمر والميسر ) [ المائدة: 90 ].
 
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في الناسخ والمنسوخ: ” وأما الذي كانت العرب تفعله … فليس من النسخ في شيء لأنه لم يكن حُكماً أحكم ، ولا شرعاً ، ولا ديناً مهد ، وإنما كان باطلاً يُفعل، وحقاً يُجهل؛ فقذف الله بالحق على الباطل فدمغه، وأعلمَ الصحيحَ في ذلك وبلغه“.
وقال : “ لأن فعل الجاهلية ليس بحكمٍ فيرفعه آخر، وإنما هو كله باطل فنسخ الله الباطلَ بالحق” .
 
قال العلامة السيوطي في الاتقان : ” ذلك لو عُدَّ في الناسخ لعُدَّ جميع القرآن منه، إذ كله أو أكثره رافعٌ لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب . قالوا : وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آيةٌ نسختْ آيةً ، وهو رافع ما كان في أول الإسلام ” 
والله أعلم والحمد لله العالمين  .

Hits: 1194