تدبّر معاني التشهد

Home / الرئيسية / تدبّر معاني التشهد
تدبّر معاني التشهد

 بسم الله الرحمن الرحيم

إن من عادة الناس إذا دخلوا على ملوكهم أن يُحيُّوهم بما يليقُ بهم تعظيمًا لهم وثناءً عليهم، واللهُ أحقُّ بالتعظيم والثناء من كل أحدٍ من خلقه، وفي التشهُّد يجمعُ العبدُ أنواعَ الثناء على الله – عز وجل – وأجمل عبارات الأدب والتحية، ودينُ الإسلام يُعلِّمنا في الصلاة التي هي عمود الدين وشرفُ العبادات لله رب العالمين أن نتوسَّل إلى الله بأجمل التحيات، وأن تلهَجَ ألسنتُنا بأطيب العبارات وأزكى الكلمات، ومن أعظمُ من الله، ومن أكرمُ منه – جلَّ في عُلاه -؟!

وتأمَّل كيف تتحرك جميعُ أعضاء المُصلِّي وجوارحُه في الصلاة عبوديةً لله خشوعًا وخضوعًا، فإذا أكملَ المُصلِّي هذه العبادة وقبل أن يُسلِّم انتهت حركاتُه، وختمَها بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوسَ تذلُّل وانكسار وخضوعٍ لعظمته – عز وجل – كما يجلسُ العبدُ الذليلُ بين يدي سيده.

التشهد
[ التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمَ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ،أَشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وعَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وعَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ


التحيات لله: جمع تحية، والتحية هي التعظيم .والتحياتُ على سبيل العموم والكمال والإطلاق لا تكون إلا لله – عز وجل-وهو – سبحانه -أهلٌ للتعظيم المُطلق.[فتح الباري (2/445) ]. 


الصلوات : العبادات كلها فرضها ونفلها وشتى العبادات القلبيه. وهو شاملٌ لكل ما يُطلَق عليه صلاةٌ لغةً أو شرعًا من الدعاء والتضرُّع والرحمة

الطيبات : الأعمال الصالحة الزكية. فما يتعلَّق بالله فإن له من الأوصاف أطيبَها، ومن الأفعال أطيبَها، ومن الأقوال أطيبَها، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا»؛ أخرجه مسلم.قال تعالى: start-iconإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُend-icon. فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له مُلكًا ووصفًا، ومنه مجيئُها وابتداؤها، وإليه مصعَدها ومُنتهاها.

ولما أتى بهذا الثناء على الله تعالى التفَت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخيرُ على يديه فسلَّم عليه أتمَّ سلامٍ مقرونًا بالرحمة والبركة فقال:

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته : هو دعاء بمعنى : سَلِمْتَ من المكاره وأنزل عليك رحماته وبركاته فيكون المعنى: أن الله تعالى يتولَّى رسولَه – صلى الله عليه وسلم – بالحفظِ والكلاءة والعناية


عباد الله الصالحين : وعبادُ الله: هم الذين تعبَّدوا الله؛ أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالاً لأمره واجتنابًا لنهيه، وأشرفُ وصفٍ للإنسان أن يكون عبدًا لله لا عبدًا لهواه، فإذا سمِع أمر ربه قال: سمِعنا وأطعنا.وعبادُ الله الصالحون هم الذين صلُحت سرائرُهم وظواهِرهم بإخلاص العبادة لله ومُتابعة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

الأشهر في تفسير ” الصالح ” : أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته.
فائدة : قال الترمذي الحكيم : من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً وإلا حُرم هذا الفضل العظيم.
وقال الفاكهاني : ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني ليتوافق لفظه مع قصده. [ فتح الباري (2/448) ].

ثم ختمَ هذا المقام بعقد الإسلام، وهو: التشهُّد بشهادة الحق والتوحيد: «أشهد أن لا إله إلا الله»، ولا إله إلا الله كلمةُ التوحيد التي بعثَ الله بها جميعَ الرسل، كما قال تعالى: start-iconوَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِend-icon [الأنبياء: 25].

أشهد : أي أُقرّ وأُذعن أُوقن ايقاناَ كأني أراه

لا اله الا الله : لا معبود بحق الا الله . فكل معبود من دون الله فهو اله باطل  قال تعالى :”ذلك بأن الله هو الحق أن ما يدعون من دونه الباطل

عبده: عبدٌ لله، ليس له في العبادة شرك، وقد أمره الله تعالى أن يقول: start-iconلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّend-icon

ورسوله: أي- مُرسَله، أرسله الله – عز وجل – وجعله واسطةً بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه؛ إذ لولا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما عرَفنا كيف نعبد الله – عز وجل -، فكان – عليه الصلاة والسلام – رسولاً من الله إلى الخلق، ونِعم الرسول، ونِعم المُرسِل، ونِعم المُرسَل به، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – هو رسولٌ مُرسلٌ من الله، وهو أفضل الرسل خاتمُهم وإمامُهم، لما جُمِعوا له ليلة المِعراج تقدَّمهم إمامًا مع أنه آخرُهم مبعثًا – عليه الصلاة والسلام -، كما روى ذلك الإمام أحمد.


اللهم : يا الله.[ فتح الباري (11/216) ]. 

صلِّ على محمد: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما أخرجه البخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم، ولفظُه: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة.

وآل محمد: هم قرابتُه المؤمنون من بني هاشم ومن تفرَّع منهم، وقيل: المقصود: أتباعُه على دينه.

كما صلَّيتَ على آل إبراهيم؛ أي: كما أنك – سبحانك – سبقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم فألحِق الفضلَ منك على محمدٍ وآله.

وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمد؛ أي: أنزِل عليه البركة، وهي: كثرةُ الخيرات ودوامُها واستمرارُها، ويشملُ البركةَ في العمل والبركةَ في الأثر.

إنك حميدٌ مجيد: حميدٌ؛ أي: حامدٌ لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمودٌ يُحمَد – عز وجل – على ما له من صفاتِ الكمال وجزيلِ الإنعام.

وأما المجيد: فهو ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ وكمال السلطان،

 فتأمَّل جمالَ هذه التحيات وكمالها وحُسنَها وجمالَها، وتدبَّر معانيها حين تزدلِفُ بها إلى ربك في جلوس التشهُّد وأنت خاشعٌ مُتأدِّب. فالحمدُ لله الذي هدانا إليها، وأنعمَ بها علينا.

 

اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفعنا بما فيهما من العلم والحكمة.