جهاد المُنحرفين عَنْ هَدْيِ الأنْبياء

Home / الحديث / جهاد المُنحرفين عَنْ هَدْيِ الأنْبياء
جهاد المُنحرفين عَنْ هَدْيِ الأنْبياء
العلامة ربيع بن هادي حفظه الله
عَنْ عبدِ الله بْنُ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: « مَا مِنْ نبيٍّ بعثهُ اللهُ فِي أمَّةٍ قبلِي إلَّا كانَ لهُ مِنْ أمَّته حواريُّون، وأصْحاب يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثُمَّ إنَّها تخلَّفَ مِنْ بعدهم خُلوفٌ يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلونَ ما لا يؤمرونَ، فمَنْ جاهدهم بيده فهوَ مؤمنٌ، ومَنْ جاهدهم بلسانهِ فهوَ مؤمنٌ، ومَنْ جاهدهم بقلبهِ فهوَ مؤمنٌ، وليسَ وراءَ ذٰلكَ مِنَ الإيمانِ حبَّةُ خردلٍ ». « أخرجه مسلم  وأحمد ».
• المفــردات:
˝ الحواريُّون: هم خُلصاء الأنبياء وأصفياؤهم، وقيل: الأنصار، وقيل: المجاهدون.
˝ تخلـف: تحدَّث.
˝ الخُلـوف: جمع خَلْف بإسكان اللَّام، وهو الخالِف بِشرٍّ.
• المعنَى الإجْمالِي:

هـٰذا الحديث فيهِ أخبار عَنْ أحوال الأنبياء وأحوال أممهم، وأنَّ أصحابهم وحواريّيهم الَّذي اِسْتضاؤا بنور نبوَّتهم وشاهدوا نـزول الوحي عليهم يظلُّون أوفياء مُخلصين لربِّهم ومتمسِّكين بَهَدْي أنبيائهم في الظَّاهر والباطن تطابق أقوالهم أفعالهم، ثمَّ تخلَّفهم أجيال يحيد بهم الشَّيطان عَنْ مناهج الأنبياء؛ يدَّعون بأقوالهم أنَّهم علىٰ نهج الأنبياء، ويخترعون مِنَ البدع والمناهج الباطلة، ويرتكبون مِنَ المنكرات والمعاصي ما يجعلهم أبعد النَّاس عَنْ أديان أنبيائهم، ويعيشون في تناقضات بين أقوالهم وأعمالهم.

ويبقىٰ في كلِّ أمَّةٍ عُلماء مُخلصون أوفياء لدينهم يجاهدون ويناضلون عَنْ تعاليم أنبيائهم، كلٍّ علىٰ حسب طاقته ومنـزلته مِنَ الإيمان؛ فمجاهدٌ بلسانه، ومجاهدٌ بيده، ومجاهدٌ بقلبه، وذٰلك أضعف الإيمان. وليس وراءه شيء مِنَ الإيمان.
وأمَّةِ مُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقعَ فيها ما وقعَ في الأُمم السَّابقة، وخلَّفت بعد القرون المفضلة خُلوف تفرَّقت بهم السُّبل؛ وشتتتهم الأهواء، وصدق فيه قول رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لتتعبنَّ سنن مَنْ كانَ قبلكم حذو القذَّة بالقذَّة، حتَّىٰ لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ». « ستفترقُ هـٰذه الأمَّة إلىٰ ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النَّار إلَّا واحدة ».
وبقي فِي هـٰذه الأمَّة الطَّائفة المنصورة الَّتي أخبرَ عنها رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تزالُ طائفة مِنْ أمَّتي عَلَى الحقِّ ظاهرينَ، لا يضرُّهم مَنْ خذلهم، ولا مَنْ خالفهم حتَّىٰ تقوم السَّاعة »  هـٰذه الطَّائفة لا زالت وستبقىٰ كما أخبر بذٰلك رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدعو إلى الحقِّ والخير وتأمرُ بالمعروف وتنهىٰ عن المنكر، وتدحضُ البدع والشُّبهات المضلِّلة بالحجج والبراهين، وتجاهدُ الباطل حسب اِستطاعتها باليد واللَّسان والقلب، فعلى المؤمن الثَّبات علىٰ ما جاء بهِ الرَّسول فِي عقيدته وعبادته وأخلاقه، وعليه الأخذ بسُنَّة نبيِّه والاِقتداء بأمره، ومجانبة الأهواء والمعاصي والبدع، ثمَّ الدَّعوة إلى الحقِّ، وبذل ما يستطيعه فِي نصرة دينه.
• ما يُستفادُ مِنَ الحديث:
1) فيهِ أنَّ الأنبياء قد جاؤا بشرائع وسنن لهداية النَّاس.
2) وفيهِ فضيلة ومزية أصْحاب الأنبياء باتِّباعهم سنن أنبيائهم.
3) وفيهِ ذمِّ مَنْ خالفَ منهجهم بأنَّهُ خُلوف، وهم الَّذين يخلفون أنبياءهم بِشرٍّ وما كانوا أشرارًا إلَّا بمخالفة الأنبياء.
4) وفيهِ ذمِّ مَنْ تُخالف أقوالُه أفعالَه. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾  « الصَّف: 3 ».
5) وفيهِ ذمِّ البدع، وما هي إلَّا فعل ما لا يأمر بهِ الله علىٰ ألْسِنة أنبيائه.
6) وفيهِ مدحُ التَّابعين للأنبياء الثَّابتين علىٰ سُنَّتهم والمتمسكين بالاِقتداء بهم.
7) وفيهِ مدحُ هـٰؤلاء الأتباع بصبرهم وجهادهم لمنْ خالفَ منهج الأنبياء.
8) وفيهِ بيان مراتب الجهاد والأمر بالمعروف والنَّهي عَنِ المنكر، وأنَّهُ علىٰ حسب طاقة أصناف المجاهدين: فمَنْ يستطيع الجهاد وإزالة المنكر بيدهِ فعليه أنْ يقوم بهـٰذا الواجب، ومَنْ عجزَ عَنْ هـٰذه المرتبة واسْتطاع أنْ يقول كلمةُ الحقِّ فعليهِ أنْ يقولها، ومَنْ عجزَ عَنْ ذٰلكَ فعليهِ أنْ يقوم بما يستطيعه وهو الجهاد بالقلب وإنكار الباطل بقلبه، فإنْ فاتهُ هـٰذا فليس بِمؤمن وقد مات قلبه.
9) وفيهِ أنَّ الإيمان يتفاوت ويزيد وينقص « وليسَ وراءَ ذٰلكَ حبَّة خردلٍ مِنْ إيمان ».اهـ.

« مجموع كتُب ورسائل وفتاوىٰ » فضيلة الشَّيخ العلاَّمة / ربيع بن هادي  (1 / 207، 209)