حقيقة المصلحة – المعتبرة شرعا – ومكمن الخطر في ادعائها

Home / الفقه / حقيقة المصلحة – المعتبرة شرعا – ومكمن الخطر في ادعائها
حقيقة المصلحة – المعتبرة شرعا – ومكمن الخطر في ادعائها

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:  ” إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له ، فقد يكون ساعيا فى مصلحة نفسه من وجه  لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا  كاملة أو يكون فيها مفسدة تربو فى الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها  بشرها ” ..

ويقول – أيضاً – : ” إن  الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء  النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانتوقد قال ربنا سبحانه: [ولو اتبع الحق  أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن] “

يقول الشيخ عطية سالم  رحمه الله في تقديمه لرسالة العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله (المصالح المرسلة) :  ”  ومكمن  الخطر في ادعاء المصلحة لأنه إدعاء عام، وكل يدعيه لبحثه فيما يذهب  إليه… ولن يذهب مجتهد قط إلى حكم في مسألة لا نص فيها إلا وادعى أنه ذهب  لتحقيق المصلحة.. ولكن، أي المصالح يعنون.. إن المصلحة الإنسانية الخاصة أمر نسبي، وكل يدعيها فيما يذهب إليه ومن هنا كان الخطر.. ولكن  حقيقة المصلحة هي المصلحة الشرعية التي تتمشى مع منهج الشرع في عمومه وإطلاقه، لا خاصة ولا نسبية… فهي التي يشهد لها الشرع الذي جاء لتحقيق مصالح جميع العباد، ومراعاة جميع الوجوه، لأن الشرع لا يقر مصلحة تتضمن مفسدة مساوية لها أو راجحة عليها ظهر أمرها أو خفي على باحثها، لأن الشارع  حكيم عليم… كما أن المصلحة الشرعية تراعي أمر الدنيا والآخرة معاً، فلا تعتبر مصلحة دنيوية إذا كانت تستوجب عقوبة أخروية… وفي  هذا يكمن الفرق الأساسي بين المصلحة عند القانونيين الذين يقولون:  حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، وبين الأصوليين الشرعيين الذين يصدق على منهجهم  أنه حيثما وجد الشرع فثم مصلحة العباد” اه

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ” والقول  الجامع : أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط ، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين  وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا حدثنا به النبي – صلى الله  عليه وسلم – ، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا  هالك . لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد بها فأحد أمرين  لازم له: – إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر ، – أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة ، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو  الغالبة وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه  منفعة مرجوحة بالمضرة ،  كما قال تعالى : [قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ] [سورة البقرة:219]  وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك ، حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا ولم يكن كذلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا، ومنفعة لهم. “الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا” وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. فإذا كان الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا الباب ” أ.هـ الفتاوى(11/346).