ضوابطُ التَرَخُّصِ للنطقِ بالباطلِ أو فعلهِ والسكوتِ عن الحقِ والتُقْيَةِ

Home / الفقه / ضوابطُ التَرَخُّصِ للنطقِ بالباطلِ أو فعلهِ والسكوتِ عن الحقِ والتُقْيَةِ
ضوابطُ التَرَخُّصِ للنطقِ بالباطلِ أو فعلهِ والسكوتِ عن الحقِ والتُقْيَةِ
بسم الله الرحمن الرحيم
الإكراه في اللغة : حملُ الغير على ما يكرهه قهرًا.

وفي الشرع : (حَمْلُ الغير على ما لا يرضاه مـن قـول أو فعـل، بحيث لا يختار مباشرته لو خُلِّيَ ونفسه).   فالإكراه هو أن يتصرف الشخص اضطرارا تحت ضغوط بوسائل مرهبة وتهديد لإجباره على ذلك.           

ويكون الإكراه تاما أو ملجئا، عند الحنفية، في حالة خشية تحقق الضرر الفاحش ويكون ناقصا أو غير ملجىء فى حالة خشية تحقق الأذى اليسير.                                                       

 أما غير الحنفية فلم يقسموا الإكراه إلى ملجئ وغير ملجئ كما فعل الحنفية ، ولكنهم تكلموا عما يتحقق به الإكراه وما لا يتحقق

وقد فصل هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال :
” تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره.
فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها.
فإن الإمام أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراها، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع، على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها.
ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر.
وقد يعظم الأمر وينحسر الإعذار بالتقية حتى لا يعذر بها كما في حال المكره على الكفر مع الدوام على ذلك لا في حالة عارضة.
ولهذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ” ما يشبه هذا عندي الذي أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانـوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاؤوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم “).
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن حقيقة الإكراه في الترجيح بين المصالح والمفاسد ، حيث قال  :
” وذلك أن مقارنة الفجّار إنما يفعلها المؤمن في موضعين :
أحدهما : أن يكون مكرها عليها .
والثاني : أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة ، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة ،
وفي الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل باحتمال أدناهما وهو الأمر الذي أكره عليه. ” انتهى
 مجموع الفتاوى 15 / 325
وإنَّ للإكراه شروطًا معتبرة شرعًا ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهي :
“1- أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع، ولو بالفرار.
2- أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

3- أن يكون ما هدد به فوريًّا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا؛ لا يعد مكرهًا، ويُستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.

4- أن لا يظهر من الأمور ما يدل على اختياره ” .اهـ.

وينبغي أن يعلم أنه ليس كل إكراه – ولو كان ملجئا- يسوّغ الترخّص ، بل يتأكد الصبر في حق من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، فلو تلفظ – مثل هذا – بالكفر رخصة – مع احتمال أن الكثير من العوام لا يعرفون حقيقة الأمر، وهو أن ما أظهره خلاف ما يبطنه، فيؤدي هذا التصرف إلى فتنتهم، بل قد يصل الأمر إلى التحريم في حقه بسبب ما يسببه من فساد ، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل – رحمه الله – حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية ؟ قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟)

وقال العلامة القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: “أجمع العلماء على أن مَن أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة “

واختلف في الزنا، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل أحد ذلك وإن قُتِل لم يفعلْه، فإن فعله فهو آثم، ويلزمه الحد، وبه قال أبو ثور والحسن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وأما إن أكره الرجل على الزنا، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره‏:‏ 
أحدهما‏:‏ لا يكون مكرها عليه، كقول أبي حنيفة، وهو منصوص أحمد‏.‏ 
والثاني‏:‏ قد يكون مكرها عليه، كقول الشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد‏” اهـ.

وقال تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران:28).

قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره: “نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين، ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم، فيداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا، أو مالاً حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين.                     والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل، وسلامة النية، قال -تعالى-: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل:106)،  ثم هذه رخصة؛ فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم” اهـ.

وقال ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: “معلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم، والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقية، وليست التقية موالاة لهم” اهـ.

قال العلامة القرافي في الاستغناء في أحكام الاستثناء: “(إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًتقديره: لا تفعلوا ذلك في حالة من الحالات إلا في حالة الاتقاء“.

وقال الامام ابن جرير الطبري في تفسيره عند قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): ” أي إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل” اهـ.

والحمد لله رب العالمين .