الناسُ اليَوْمَ بَيْنَ مُتَّبِعٍ للابَاءِ وَمُقَلِّدٍ للكُفَّارِ

Home / العقيدة والمنهج / الناسُ اليَوْمَ بَيْنَ مُتَّبِعٍ للابَاءِ وَمُقَلِّدٍ للكُفَّارِ
الناسُ اليَوْمَ بَيْنَ مُتَّبِعٍ للابَاءِ وَمُقَلِّدٍ للكُفَّارِ
العلامة محمد بن علي فركوس الجزائري
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على منْ أرسلَه اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آلهِ وصحبهِ وإخوانهِ إلى يوم الدِّين، أمَّا بعدُ:
 فإنّ من أهمّ أسباب ظهور مُحْدَثاتِ الأمور وبِدَعِها: الجهلَ بأحكام الدّين الحاجبَ عن معرفة الحقّ، والمانعَ من التّبصّر بسنن الهدى والجارفَ في الضّلال والضّياع، ومن آثاره السّيّئة التّمسّكُ بتقليد الآباء والتّعصّبُ لآراء الرّجال والاستسلامُ للعاطفة والهوى، وتحكيمُ العادات الموروثة عنهم، كلُّ ذلك ولّد حائلاً مانعًا بين المرء واتّباع الدّليل ومعرفة أمور الدّين وشرائعِه، ولا يخفى أنّ تقليدَ الآباء والأسلاف من الرّجال من منطلَقِ الهوى والعاطفة شبهةٌ قديمةٌ احتجّ بها الكفّار على دعوة الرّسل والأنبياء؛ كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
 ومن آثاره السّيّئة: الغلوُّ في الدّين والإطراءُ المبالَغُ فيه للذّوات والأشخاص بالْتماسِ البركة في الأحياء، ثمَّ مجاوزةِ الحدّ فيهم بالْتماسها في الجماداتِ بعد وفاتهم بإقامة التّماثيل والنُّصْب التّذكاريّة والقباب والأضرحة والمشاهد، والعكوفِ عندها والتّمسّحِ بها وتقبيلها والتّنافس في تعظيمها بكل غلوٍّ مُهْلِكٍ نهى عنه النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ».
 وهذا الأثر السيّئ انعكس سلبًا على غالب عوامّ المسلمين، فقلّدوا الكفّار في غلوّهم في الأنبياء والصّالحين، وفي الاحتفال بالموالد والأعياد ومراسيم الجنائز والعادات، وكذا في المناسبات الدّينيّة والذّكريات، واتّخاذِ القبورِ مساجدَ ومشاهدَ وتشييدِ البناء عليها وتعظيمِها والتّبرّك بها، كلُّ ذلك ممّا حذّر منه النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أمّتَه وبالغ في التّحذير.
 ومنشأ هذا الأثر الضّارّ يرجع إلى التّشبّه بالكفّار والتّقليد الأعمى لمن كان قبلنا من المغضوب عليهم والضّالّين، وقد أخبر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن وقوع هذه المشابهة للكفّار وذمّ مَن يفعلها حيث قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قلنا: «يَا رَسُولَ اللهِ! اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟».
 هذا، ودواعي التّشبّه بالكفّار وتقليدِهم في عاداتهم وعباداتهم تتلخّص: إمّا في مُساكَنَتِهم والاختلاط بهم ومجاوَرتِهم، وهي مقتضِيَاتُ مشاكَلتِهم والتّأثّر بهم،  وإمّا في الشّعور بالضّعف والهوان أمامهم نتيجةَ قوّةِ شوكتهم وتفوُّقهم في ميادين الحياة، فيتجسَّد -نتيجةَ ذلك- الشعورُ بالانهزام في صورة الانقياد إليهم جريًا على قاعدة «تبعيّة الضّعيف للقويّ»، وإمّا فيهما معًا، وقد ورد التّصريح النّبويّ في تحريم التّشبّه بالكفّار فيما هو من خصائص دينهم ودنياهم. فقال صلّى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
 وقد ضلّ كثيرٌ ممّن تأثّر بمناهجِ حياةِ الكفّار عن سواء السّبيل، لاسيّما الطّبقة العلمانيّة المثقَّفة -زعموا-، حيث ساقهم ضلالُهم إلى الاعتقاد بأنّ أسباب العزّة والقوّة تكمن في التّخلّي عن شعائر الإسلام ومظاهر السّنّة التي يعبّرون عنها ﺑ «القشور» أو «شكليّات التّخلّف»، في حين يُحاكون اليهودَ والنصارى في شكليّاتهم وأزيائهم ومراسيمهم وأعيادهم والتّكلّم بِلُغَاتِهِمْ، بل وفي جميع أنماط حياتهم ظنًّا منهم أنّ سرّ التّقدّم والْتماسَ أسباب العزّة والقوّة يتحقّق –تبعًا لهم- في التّشبّه بهم في عاداتهم وعباداتهم، نعوذ بالله من الخذلان.
وضمنَ هذا السّياق من معاني الخذلان صورةٌ من التّشبّه بالكفّار وَرَدَتْ عن طريق سؤالٍ من بعض إخواننا من «تركيا»، يسألون عن حكم القيام الإجباريّ لتمثالٍ منصوب ﻟكمال أتاتورك في وسط المؤسّسات التّربويّة، تفرض السّلطةُ القيامَ له لزومًا قبل الدّخول إلى الأقسام الدّراسيّة ويَشْمَلُ الحكم الطّلبة والمدرِّسين، واللهُ المستعانُ.
وَصِفَةُ القيام وما يقترن به من استعدادٍ وتحيّةٍ ووَضْعِ باقةٍ من الزّهور على النّصب التّذكاريّ أو تحت النّار المُشْتَعِلَةِ ونحو ذلك من المظاهر الرسميّة فقدِ استلّها بنو جلدتنا من عاداتِ اليهود والنّصارى القائمةِ على غلوِّهم في صالحيهم ورؤسائهم وقادتهم، وقلّدوهم في مراسيمهم ومُجْمَلِ عاداتِهم، وتشبّهوا بهم فيما هو من خصائص دينهم ودنياهم ليظفروا بنصيبٍ من رضا اليهود والنّصارى عنهم، ولا شكّ أنّ اتّباعَ أهواء المغضوب عليهم والضّالّين بعد حصول العلم تَرَدٍّ وخسرانٌ، لِفَقْدِ النّصرة والوَلاية من الله الغنيّ العزيز الحكيم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
 والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسَلَّم تسليمًا.

Hits: 20