لم يثبت تلقين الميت بعد الدفن عند القبر

Home / الحديث / لم يثبت تلقين الميت بعد الدفن عند القبر
لم يثبت تلقين الميت بعد الدفن عند القبر
بسم الله الرحمن الرحيم
 
من أسبابِ انتشارِ البدعِ بين الناسِ في كثيرٍ من بلادِ المسلمين نشرَ الأحاديثِ الضعيفةِ والمكذوبةِ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم دون التحقق من صحتها ، فيُخدعُ بها البسطاءُ والعامةُ .
قال الإمامُ الشاطبي في ” الاعتصامِ ” (1/287): ” فإن أمثالَ هذهِ الأحاديثِ – على ما هو معلومٌ – لا يبنى عليها حكمٌ ، ولا تُجعلُ أصلاً في التشريعِ أبداً ، ومن جعلها كذلك فهو جاهلٌ أو مخطىءٌ في نقلِ العلمِ ، فلم ينقل الآخذُ بشيءٍ منها عمن يعتمدُ به في طريقةِ العلمِ ، ولا طريقةِ السلوكِ ” .ا.هـ.
 
ومن الأحاديثِ التي راجت وروج لها حديثُ تلقينِ الميتِ بعد دفنهِ .
 
عن أبي أمامةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ” إذا مات الرجل فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: ” يا فلان ابن فلانة ! ” ، فإنه سيسمع ، فليقل: ” يا فلان ابن فلانة ! ” ، فإنه سيستوي قاعداً ” ، فليقل: ” يا فلان ابن فلانة ! ” ، فإنه سيقولُ له: ” أرشدني رحمك الله ! ” ، فليقل: ” اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور . فإن منكراً ونكيراً عند ذلك كل واحد يأخذ بيد صاحبه ويقول: ” قم ، ما تصنعُ عند رجلٍ لقن حجته ؟ ” ، فيكونُ اللهُ حجيجهما دونه.”.

قال العلامةُ الألباني في ” الضعيفةِ ” (599): ” منكرٌ: أخرجهُ القاضي الخلعي في ” الفوائدِ ” (55/2) عن أبي الدرداء هاشم بنِ محمدٍ الأنصاري: ثنا عتبةُ بنُ السكنِ ، عن أبي زكريا ، عن جابرِ بنِ سعيدٍ الأزدي قال: ” دخلتُ على أبي أمامةَ الباهلي وهو في النزعِ ، فقال لي: ” يا ابا سعيدٍ إذا أنا متُ فاصنعوا بي كما أمر رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أن نصنعَ بموتانا فإنه قال: ” فذكرهُ … “
وقد قال النووي في ” المجموعِ ” بعد أن عزاهُ للطبراني: ” وإسنادهُ ضعيفٌ . وقال ابنُ الصلاحِ: ” ليس إسنادهُ بالقائمِ ” .
وكذلك ضعفهُ الحافظُ العراقي في ” تخريجِ الإحياءِ ” (4/420) ، وقال ابنُ القيمِ في ” الزادِ “ (1/206): ” لا يصحُ رفعهُ ” . 

واعلم أنه ليس للحديثِ ما يشهدُ له ، وكل ما ذكرهُ البعضُ إنما هو أثرٌ موقوفٌ على بعضِ التابعين الشاميين لا يصلح شاهداً للمرفوعِ بل هو يُعِلُّهُ ، وينزلُ به من الرفعِ إلى الوقفِ
 .
 
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ كما نقل عنه ابنُ علان في ” الفتوحات الربانية ” (4/196): ” هذا حديثٌ غريبٌ ، وسندُ الحديثِ من الطريقين ضعيفٌ جداً ” .ا.هـ.

وقد حكى السيوطي في ” الحاوي “ اتفاقَ المحدثين على تضعيف الحديثِ فقال: ” 
فلأن التلقينَ لم يثبت فيه حديثٌ صحيحٌ ولا حسنٌ بل حديثهُ ضعيفٌ باتفاقِ المحدثين ” .ا.هـ.
 

وقال الصنعاني في ” سبلِ السلامِ ” (2/772) عند شرحهِ لحديثِ: ” ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَحَدِ التَّابِعِينَ – قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ . أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ ، قُلْ: لا إلَهَ إلا اللَّهُ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَا فُلَانُ: قُلْ رَبِّي اللَّهُ ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا .

وَقَالَ ابن القيم فِي الْمَنَارِ المنيفإنَّ حَدِيثَ التَّلْقِينِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يَشُكُّ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ فِي وَضْعِهِ ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَالْمَسْأَلَةُ حِمْصِيَّةٌا.هـ.

ثم اعلموا أنَّ الأصلَ في العباداتِ التوقيفِ ، ومعنى ذلك أن الأحكامَ الشرعيةَ والتعبدات لا تثبت إلا بالأدلةِ الصحيحةِ المعتبرةِ من الكتابِ والسنةِ . أما الأحاديثُ المكذوبةُ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فإنها ليست من سنتهِ صلى اللهُ عليه وسلم فالعمل به يكونُ بدعةً ؛ إذ هو تشريعٌ نا لم يأذن به اللهُ.

وكلُ عبادةٍ تستندُ إلى الرأي المجردِ والهوى فهي بدعةٌ ؛ كقولِ بعضِ العلماءِ أو العُبَّادِ أو عاداتِ بعضِ البلادِ أو بعضِ الحكاياتِ والمناماتِ .
ولا يجوز الاحتجاج بكلامِ بعضِ العلماءِ الاجلاء على جواز التلقين بعد الدفن لأن أقوال العلماء يحتج لها ولا يحج بها  ونحن لا نشكُ في جلالتهم ومنزلتهم ولكن الحق أحبُ إلينا منهم .
 
ورحم اللهُ الإمامَ ابنَ القيمِ عندما قال في صاحبِ كتابِ ” منازلِ إياك نعبدُ وإياكَ نستعين ” إسماعيلَ الهروي: ” شيخُ الإسلامِ حبيبٌ إلينا ، والحقُ أحبُ إلينا منه ، وكلُ من عدا المعصومِ فمأخوذٌ من قولهِ ومتروك ، ونحن نحملُ كلامه على أحسنِ محامِله ” .

ورحم اللهُ الإمام الشافعي عندما قال:
 “ أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس ”  .
ونحن نقول : ” إنَّ كل عبادة لم تثبت عن رسول الله ولم تستبين فلا يجوز لنا أن نتعبد الله تعالى بها ” .
 
والحمد لله رب العالمين .