ليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن

Home / الزهد و الرقائق / ليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن
ليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن

يقول الامام ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب  : 

 وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء 

والسماء متعبد الملائكة ومستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو فلا ينال منه شيئا إلا خطفه وقد مثل ذلك بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت : 
1- بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره
2- بيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وليس جواهر الملك وذخائره 
3- بيت خال صفر لا شئ فيه 
فجاء اللص يسرق من أحد البيوت فمن أيها يسرق ؟ 
فإن قلت من البيت الخالي كان محالا لأن البيت الخالي ليس فيه شئ يسرق 
ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما : إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها فقال : وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب ؟ 
وإن قلت : يسرق من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع فإن عليه من الحرس ما لا يستطيع اللص الدنو منه كيف وحارسه الملك بنفسه ؟ وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله ؟ 
فلم يبق للص إلا البيت الثالث فهو الذي يشن عليه الغارات 
فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل ولينزله على القلوب فإنها على منواله 
– فقلب خلا من الخير كله وهو قلب الكافر والمنافق فذلك بيت الشيطان قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه سكنا ومستقرا فأي شئ يسرق منه وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه 
– وقلب قد امتلأ من جلال الله تعالى وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه فأي شيطان يجترئ على هذا القلب ؟ وإن أراد سرقة شيء منه فماذا يسرق وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له إذ هو بشر وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع 
-وقلب فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده وفيه شهوات النفس وأخلاقها ودواعي الهوى والطبع وقلب بين هذين الداعيين : فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وارادته وحده ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى والطباع فهذا القلب للشيطان فيه مطمع وله منه منازلات ووقائع ويعطي الله النصر من يشاء { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه فيدخل إليه الشيطان فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة وهي في القلب فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب 
فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها انتصف من الشيطان وإلا فالدولة لعدوه عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله فإذا أذن العبد لعدوه وفتح له باب بيته وأدخله عليه ومكنه من السلاح يقاتله به فهو الملوم ( فنفسك لُم ولا تلم المطايا … ومت كمدا فليس لك اعتذار ) ” اه