ما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ عليه السلام إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء

Home / التفسير / ما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ عليه السلام إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء
ما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ عليه السلام إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء

يقول الامام ابن جرير الطبريإن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ 

أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟
قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله في إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه
وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلكهب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبلوإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه
قد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم
ويتجه أيضا لأن يكون معناهوهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي …” اه
 
قال العلامة ابن جزي الغرناطي في التسهيل{ قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي } قدم الاستغفار على طلب الملك ، لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدّم الأولى والأهمّ ، 
فإن قيل : لأي شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي ، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحَجَّاج بن يوسف إنه كان حسوداً؟  فالجواب من وجهين : 
أحدهما : أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه ، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره ،
 والآخر : أنه طلب ذلك ليكون معجزة ، دلالة على نبوته. ” اه
 
قال الحافظ ابن العربي المالكي : ”  قال علماؤنا : إنما سأله ليقيم فيه الحق ، ويستعين به على طاعة الله ، كما قال يوسف عليه السلام : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } . كما تقدمت الإشارة إليه ….
 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن عفريتا تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، وأردت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد ، ثم ذكرت قول أخي سليمان : { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } . فأرسلته ، فلولا ذلك لأصبح يلعب به ولدان المدينة } . 

وهذا يدل على مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لدعائه ، وأن معناه لا يكون لأحد في حياته ولا بعد مماته ، وذلك بإذن من الله تعالى مشروع ; إذ لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم غيره .   

قال ابن عطية الأندلسي في تفسيره : ” وَرُوِيَ فِي مَثَالِبِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: “لَقَدْ كَانَ حَسُودًا”، وَهَذَا مِنْ فِسْقِ الْحَجَّاجِ ، 
وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جَائِزًا; لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرْغَبَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فِيمَا لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ، لَا سِيَّمَا بِحَسَبِ الْمَكَانَةِ وَالنُّبُوَّةِ، 
وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لا يَنْبَغِي“، فَإِنَّمَا هِيَ لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ فِي أَنَّهُ لَا يُعْطِي اللَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ الْمُلْكِ لِأَحَدٍ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ رَبَطَ الْجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَمَا أُوتِيهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ بَعْضُ الشَّبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَبَدًا أَيْسَرَ الْأَمْرَيْنِ وَأَقْرَبَهُمَا إِلَى التَّوَاضُعِ. ” اه
وَقَالَ الامام مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ :  ” كَانَ لِسُلَيْمَانَ مُلْكًا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِ : ” لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ” تَسْخِيرَ الرِّيَاحِ وَالطَّيْرِ وَالشَّيَاطِينِ ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ “. 
  
قال العلامة السعدي : ” فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، وَزَادَهُ مُلْكًا لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ تَسْخِيرُ الشَّيَاطِينَ لَهُ، يَبْنُونَ مَا يُرِيدُ، وَيَغُوصُونَ لَهُ فِي الْبَحْرِ، يَسْتَخْرِجُونَ الدُّرَّ وَالْحُلِيَّ، وَمَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ قَرَّنَهُ فِي الْأَصْفَادِ وَأَوْثَقَهُ “.   
والله أعلم والحمد لله رب العالمين .

Hits: 734