من المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم

Home / الرئيسية / من المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم
من المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم
بسم الله الرحمن الرحيم
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا )).

فأخبر سيد ولد آدم، نبي الرحمة، الشفيق على الخلق، والحريص على استقامة أمورهم وأحوالهم – صلوات الله وسلامه عليه – في هذا الحديث العظيم:

أن الصدق والبيان واجب في البيع والشراء، موجب للبركة والخير والنماء، وأن الكذب والكتمان محرم، ماحق للبركة.

أيها المسلمون:

دونكم بعض المظاهر المظلمة، والصور البشعة، والأعمال السيئة، والخلال الرديئة، والفِعال القبيحة، التي تقع وتظهر في معاملات بعض من ضعف إيمانه، وغره شيطانه، وألهته دنياه، وأردته شهوته:

المظهر الأول:

أن تأتي إلى طبيب لطلب علاج ومداواة فتراه في مداواته ودوائه يضعف إيمانه، وينقص دينه، وتنخفض مراقبته لربه، ويقل تذكره لآخرته فينظر حينها إلى مصلحة نفسه وزيادة أجره ونسبته المالية، أو إلى مصلحة المستشفى الذي يعمل فيه، أو إلى مصلحة الشركة الدوائية التي يكتب للمريض أدويتها، حيث يكتب ويقرر للمريض من التحاليل أو الأشعة أو الأدوية أو الأجهزة أو القطع من جهة أنواعها وتعدادها وتكلفتها ما لا يُحتاج إليه، أو ما غيره أنفع منه وأجود ويحقق المقصود، وهو أقل في الثمن، ناهيك عن زيادة الكسب والتكسب بلا احتياج، ومن غير سبب معتبر ومطابق، عن طريق باب الترقيد والتنويم في المستشفى، وباب الإسراف في الفحوصات والعمليات.

ولا فرق في ذم ذلك وتقبيحه واستهجانه وتحريمه بين أن تكون تكلفة العلاج على حساب شركة التأمين، أو على حساب المريض، أو على حساب الحكومة، أو كان دافع المال غنياً أو فقيراً، أو كان من بلد الطبيب أو من غير بلده، أو من معارفه أو من الأباعد.

المظهر الثاني:

أن تذهب إلى السوق لتشتري من دكاكينه ومحلاته سلعة فترى البائع لا ينظر إلا إلى مصلحة متجره، أو الدكان الذي يعمل فيه، وكيف يُدخل عليه من الربح أكثر، وتَحْصُل له منه عمولة أكبر، ثم هو يخرج من هذه البيعة وقد كذب على المشتري في أشياء، أو غبنه في الثمن فباعه السلعة بربح فاحش، أو دلَّس عليه فوصف سلعته بما ليس فيها وما لا تستحق، أو وصفها بأنها أصلية وهي مقلدة، أو أظهر للمشتري أنه يريد مصلحته والأفضل له فيما يختار من سلعة، وهو في الحقيقة لا يريد بذلك إلا وثوقه بما يقول، حتى لا يخرج من عنده إلا وقد اشترى، وربما زاد على ذلك أيماناً كاذبة، وذماً بالباطل لبضاعة غيره.

المظهر الثالث:

أن تضع سيارتك أو جهازك أو آلتك أو معدتك عند من يقوم بصيانتها وإصلاحها، ثم هو بعد ذلك يغبنك فيأخذ عليك سعراً فاحشاً، أو يكون العيب يسيراً فيظهره لك كبيراً ليأخذ منك مالاً أكثر، أو يخدعك فيظهر لك أنه قد نصح لك واجتهد وأصلح بسعر أقل لتثق به وتأتي إليه مرة أخرى، والأمر ليس كذلك.

وبعضهم قد ينهب من سيارتك أو جهازك أو آلتك أو معدتك قطعة أصلية فيضع مكانها مقلدة، أو تكلفه بشراء قطعة جديدة فيضع مكانها قطعة من عنده أو من عند غيره مستعملة، أو يأتيك بفاتورة فيها سعر القطعة وهو قد تواطأ مع البائع على كتابتها بغير السعر الذي اشتراها لك به.

المظهر الرابع:

أن تتفق مع عامل مهني أو صاحب حرفة وصنعة لإصلاح شيء أو تمديد كهرباء أو إقامة بناء أو صيانة عقار أو إنجاز عمل في مدة معينة ثم إذا أبرم معك العقد واتفقت معه، إذا به يجد عقداً أو صفقة أو عملاً فيه من الربح ما هو أكثر، فلا ينجز لك عملك في مدته، ويماطلك ويتعبك في طلبه والبحث عنه ليكمل ما بقي من عمله، وكلما لقيته أو هاتفته أعطاك موعداً ثم هو لا يأتي فيه، ومرة يعتذر إليك بأنه قد مرض، وفي أخرى بأن قريباً له قد مات، ومرات لا يرد على اتصالك به، وليس فيه إلا علة الطمع والجشع، صرفته إلى العمل الجديد وما فيه من ربح أكثر.

ومن كانت هذه حاله فقد أهان نفسه وأسفلها وأضرَّ بها حيث كذب في تعذره واعتذاره، وأخلف وعده، وماطل في الحقوق، وآذى أصحابها وكدرهم، وتشبه بقوم مذمومين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )).

وخالف أمر ربه له حيث قال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }.

وقد صح عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (( كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ )).

فانظروا – سلمكم الله – إلى صديق الأمة وخيرها بعد نبيها أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ حيث أخرج من بطنه طعاماً دخل إليه من كسب فيه مخادعة، وكسبه غيره، حتى لا يتأثر به جسده وينمو منه، فكيف بمن يأكلون الحرام البين الواضح، ومن كسب أيديهم، ألا يخافون؟ ألا يَرْعَوُون؟ ألا يتوبون عن أكلهم السُّحْت لبئس ما كانوا يعملون.

فاللهم اغننا بحلالك عن حرامك، ويسر لنا في الأرزاق، وبارك لنا في أقواتنا وأوقاتنا وأعمارنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تلهنا بحطامها عن آخرتنا، ووفقنا لما ينفعنا في معادنا، اللهم جنبنا الكذب والغش، وارزقنا الصدق والنصح.

من خطبة للشيخ عبد القادر الجنيد

Hits: 37