هل للجدار ارادة ؟

Home / التفسير / هل للجدار ارادة ؟
هل للجدار ارادة ؟
قال الامام الشنقيطي في أضواء ا لبيان الجزء الثالث ص : 339: قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}.
هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن في القرآن مجاز. زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز.  وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلكما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}  فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة.
فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ…} الآية [2/74]، فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك. لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ…}الآية[33/72]؛ فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت، دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: “إني لأعرف حجراً كان يسلم علي بمكةوما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم جزعاً لفراقه ـ فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [17/44].
 وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال، زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جداً.
وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، وهذا واضحٌ جداً كما ترى.اه
قال الامام محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في كلام له عن الحقيقة والمجاز : نعرف أَن كلا من التعريف ينفيه ما فيه. والواقع أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث. لم يكن معروفًا عن العرب: هذه كلمة حقيقة، وهذا مجاز. ودرج الصدر الأَول على ذلك. ثم حدث اصطلاحا تقسموا فيها الكلام إلى حقيقة ومجاز، واختلفوا في تعريفهما، وسببه أَنه ليس مبنيا على أَصل بل هو اصطلاح. واذا رجع في البحث إِلى أَنه يوجد ولم يصل ان يغير أَمرًا ثابتًا فهذا سهل، واذا أَفضى إلى تغيير الشرع فلا يغير به الشرع الثابت. وكثيرًا ما تجنى الاصطلاحات على الشريعة. فمثل هذه الأُمور ما لم يصل إِلى ابطال حق واحقاق باطل فالأَمر سهل، فان وصل أُلغي. وكم جنى هذا الشيء الاصطلاحي على الدين في العقائد وغيرها من جنايات. وراجع في هذا واكثرْ مطالعة كلام ابن القيم في كسر منجنيق المجاز وكلام الشيخ تقي الدين في كتاب الايمان ورده على المنطقيين“.اه
وسئل الامام عبد العزيز بن باز :  هل في القرآن مجاز؟  الجواب : الصحيح الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة وكل ما فيه فهو حقيقة في محله ومعنى قول بعض المفسرين أن هذا الحرف زائد يعني من جهة قواعد الإعراب وليس زائدا من جهة المعنى ، بل له معناه المعروف عند المتخاطبين باللغة العربية . لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم كقوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يفيد المبالغة في نفي المثل ، وهو أبلغ من قوله : ( ليس مثله شيء ) وهكذا قوله سبحانه : وَاسْأَل الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا فإن المراد بذلك سكان القرية وأصحاب العير ،وعادة العرب تطلق القرية على أهلها والعير على أصحابها ، وذلك من سعة اللغة العربية وكثرة تصرفها في الكلام ، وليس من باب المجاز المعروف في اصطلاح أهل البلاغة ولكن ذلك من مجاز اللغة أي مما يجوز فيها ولا يمتنع ، فهو مصدر ميمي كـ ” المقام ” و ” المقال ” وهكذا قوله سبحانه : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ يعني حبه ، وأطلق ذلك لأن هذا اللفظ يفيد المعنى عند أهل اللغة المتخاطبين بها ، وهو من باب الإيجاز والاختصار لظهور المعنى . والله ولي التوفيق . اه
وقال الشيخ بن عثيمين في رسالته الاصول من علم الاصول :  تنبيه : تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القرآن وغيره ، وقال بعض أهل العلم لا مجاز في القرآن ، وقال آخرون لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الاسفرائيني ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي ، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة ، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب .اه