وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ

Home / التفسير / وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
ختُلِف العلماء في تفسير آية الضحى  وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ )
فقال ابن الجوزي :  ( وَأَمَّا السَّائِلَ ) ففيه قولان :
أحدهما : سائل البِرّ ، قاله الجمهور ، والمعنى إذا جاءك السائل فإما أن تعطيه وإما أن تردّه ردّاً ليّنا ، ومعنى فلا تنهر : لا تنهره يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره .
والثاني : أنه طالب العلم . اهـ .
قال العلامه العثيمين في لقاء الباب المفتوح:
(قال تعالى: { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ } [الضحى:10] هذا في مقابل قوله: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى } [الضحى:7] إذاً السائل فلا تنهر، وأول ما يدخل في السائل هو: السائل عن الشريعة وعن العلم فلا تنهره؛ لأنه إذا سألك يريد أن تبين له الشريعة، فإنه واجب عليك أن تبينها له، لقول الله تبارك وتعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران:187] لا تنهره، إن نهرته نفرته، ثم إن نهرته وهو يعتقد أنك فوقه يعني أنه لم يأت يسأل إلا أنه يعتقد أنك فوقه، إذا نهرته وهو يشعر أنك فوقه فأصابه الرعب، واختلفت حواسه، وربما لا يفقه ما يلقي إليك من السؤال أو لا يفقه ما تلقيه إليه من الجواب، وقس نفسك أنت، لو كلمت رجلاً أكبر منك منزلة ثم نهرك ضاعت حواسك، ولم تستطع أن ترتب فكرك وعقلك، لهذا لا تنهر السائل، وربما يدخل في ذلك أيضاً سائل المال، أي: إذا جاءك سائل يسألك مالاً فلا تنهره، لكن هذا العموم يدخله التخصيص، إذا عرفت أن السائل في العلم إنما يريد التعنت وأخذ رأيك ورأي فلان وفلان حتى يضرب آراء العلماء بعضها ببعض، إذا علمت ذلك فهنا لك الحق أن تنهره، وأن تقول: يا فلان، اتق الله ألم تسأل فلاناً؟ كيف تسألني بعدما سألته؟ أتلعب بدين الله، أتريد إن أفتاك الناس بما تحب سكت وإن أفتوك بما لا تحب ذهبت تسأل، هذا لا بأس؛ لأن هذا النهر تأديباً له، وكذلك سائل المال إذا علمت أن الذي سألك المال غني فلك الحق أن تنهره، ولك الحق أيضاً أن توبخه على سؤاله وهو غني.
إذاً هذا العموم: (السائل فلا تنهر) مخصوص فيما إذا اقتضت المصلحة أن ينهر فلا بأس)اهـ..
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن السؤال في الجامع : هل هو حلال أم حرام أو مكروه ؟ وأن تركه أوجب من فعله ؟
فأجاب رحمه الله : الحمد لله أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة ، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذِ أحدا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه ، ولم يكذب فيما يرويه ويَذكُر من حاله ، ولم يجهر جهرا يضرّ الناس ، مثل أن يسأل والخطيب يخطب ، أو وهم يسمعون علما يشغلهم به ، ونحو ذلك ؛ جاز ، والله أعلم . اهـ .
 
ما نراه كثيراً في الشارع ، أو في المساجد من متسولين يسألون الناس أموالهم : ليسوا جميعاً محتاجين على الحقيقة ، بل قد ثبت غنى بعضهم ، وثبت وجود عصابات تقوم على استغلال أولئك الأطفال للقيام بطلب المال من الناس ، ولا يعني هذا عدم وجود مستحق على الحقيقة ، ولذا نرى لمن أراد أن يعطي مالاً لأحد هؤلاء أن يتفرس فيه ليرى صدقه من عدمه ، والأفضل في كل الأحوال تحويل هؤلاء على لجان الزكاة والصدقات لتقوم بعملها من التحري عن أحوالهم ، ومتابعة شئونهم حتى بعد إعطائهم .
فمن علمتَه أنه ليس بحاجة ، أو غلب على ظنك هذا : فلا تعطه ، وإذا علمتَ أنه بحاجة ، أو غلب على ظنك هذا : فأعطه إن شئت ، ومن استوى عندك أمره : فلك أن تعطيه ، ولك أن تمنعه .
وكثير ممن يقف اليوم ويسأل الناس في المساجد يرتكب هذه المحظورات :
فيسأل من غير ضرورة
ويؤذي المصلِّين ، وربما كان كالذي يُلقي موعظة !

ويتظاهر بعضهم بالمرض أو بالعاهة ، أو يحمل معه من يستدر به عطف الناس ، وربما كان مُسِنّـاً أو طفلا مستأجرا لهذا الغرض .