أقتلُ نفسي ولا أُضِلُّ هؤلاء

Home / الرئيسية / أقتلُ نفسي ولا أُضِلُّ هؤلاء
أقتلُ نفسي ولا أُضِلُّ هؤلاء
لما حُمل الإمام المبجل احمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن إلى المأمون (زمن ظهور وانتشار مذهب المعتزلة المبتدعة )، جاءه أبو جعفر الأنباري -رحمه الله- وقال له: ” يا هذا انت اليوم رأس ، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن، ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير .. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك ، فأنت تموت ولابد من الموت ، فاتق الله ، ولا تجبهم إلى شيء ”    .                                
 فجعل الإمام احمد يبكي، ويقول: ما شاء الله! ما شاء الله! ثم قال:” يا أبا جعفر، أَعِدْ عليّ ما قلت “، فأعدت عليه فجعل يقول : ” ما شاء الله! ما شاء الله ! “.
وهذا آخر، يخاطب الإمام أحمد – رحمه الله – اسمه محمد بن نوح رحمه الله ، وكان من القلة الذين صبروا في المحنة .                                                                                   
قال الإمام أحمد رحمه الله : ” ما رأيت أحداً على حداثة سنه ، وقلة علمه، أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه : ” يا أبا عبد الله !، الله الله، إنك لست مثلي ، أنت رجل يقتدى بك، وقد مَدَّ الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك فاتق الله ، واثبت لأمر الله! “.
ولقد أدرك الإمام أحمد -رحمه الله- هذه الحقيقة أنه عالم ينظر الناس إليه ويقتدون به، فاحتمل الأذى ورضي بالسجن ، وصبر على السياط ، التي ألهبت جسده ، حتى لا يكون فتنة لأحد ، وحتى لا يضل بموقفه الناس ، فحين ازداد الضغط عليه ، حتى يأخذ بالتقية ،  جاءه صاحبه أبو بكر المَرُّوْذِيُّ فقال له : يا امام، قال الله تعالى: ” ولا تقتلوا أنفسكم ” .
فقال له الإمام أحمد : يا مروذي اخرج انظر أي شئ ترى ؟!
قال المروذي: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقا من الناس لا يحصي عدده إلا الله، والصحف في أيديهم ، والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شئ تعملون؟!
فقالوا : ننظر ما يقول أحمد فنكتبه.
قال المروذي: مكانكم ، فدخل إلى أحمد بن حنبل -رحمه الله- وقال له: رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول، فيكتبونه.
فقال : يا مرذوي أأضل هؤلاء كلهم؟! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء!!
قال ابن الجوزي تعليقًا على هذا الخبر: “هذا رجل هانت عليه نفسه في الله فبذلها، كما هانت على بلال رضي الله عليه نفسه، قال خبيب رضي الله عنه لما قدم للقتل:
فلستُ أبالي حين أقتل مسلمًا***على أي جنب كان لله مصرعي                                          
وذلك في ذات الإله وإن يشأ***يبارك على أوصال شيْل مُمَزعي“.

قال أبو زرعة الرازي: “قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال الإمام أحمد: ” لو وضع الصدق على جُرح لبرأ ” .