إنما اليقين في الوحي لا في الفكر

Home / الرئيسية / إنما اليقين في الوحي لا في الفكر
إنما اليقين في الوحي لا في الفكر

إنما اليقين في الوحي لا في الفكر 

العلامه سعد الحصين رحمه الله

ابْتُليَ الإسلام ـ بعد القرون المفضّلة ـ بانشغال بعض (المفكّرين) في صفوف علمائه بالفكر اليوناني عن تدبّر الوحي والفقه فيه، ظنًّا منهم ـ وبعض الظّنّ إثم ـ أن الغاية تبرّر الوسيلة وأن حُسْن النّيّة يُسَوِّغ تحكيم الفكر في الدين، وتحكيم الظن في اليقين، وتحكيم الفلسفة الصّوفيّة الوثنية في معرفة الله.

وفي القرن الأخير شمَّر (الإسلاميون) عن سواعدهم وعن أقلامهم وعن ألسنتهم وعن أهوائهم وعن إعانات المحسنين لاستغلال ما سمّوه (الفكر الإسلامي) لصالح الحزبيّة أو التّجارة أو السّمعة، بحجة البحث عن بدائل لأنماط الحياة الغربيّة، ولا بديل للضلال إلا الحقّ، ولا للظن إلا اليقين، ولا للفكر إلا الوحي، ولا للعادة إلا العبادة؛ فظهرت المطبوعات والمدارس والبنوك والمستشفيات ونوادي الرّياضة البدنية والفنون الموصوفة كلّها زورًا (بالإسلامية)، وظهر الفكر والفلسفة والاشتراكيّة والدّيمقراطية الموصوفة كلّها زورًا (بالإسلامية).

 وظهر فكر الإعجاز العلمي للقرآن ليصرف الشيطان وأعوانه به المسلمين عن تدبّر كتاب الله وسنّة رسوله كما فَقِهَهُمَا السلف الصالح ـ إلى محاولة بائسة لربط الوحي بالفكر وربط اليقين بالظّن{وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104]. 

وتحوّلت المواعظ الديّنيّة إلى محاضرات مبنيّة على فنون الفكر والبلاغة والشّعر والقصص والأمثال الدّارجة والفكاهة، يجتمع عليها أكثر ممن يجتمع على المواعظ الشرعيّة بالآية والحديث والحكم الشرعي في الاعتقاد والعبادة والمعاملة، وصار أكثر المسلمين (مثقّفوهم وعوامّهم، لا أقول علماؤهم) يرون البدعة هي السنة، حتى أعلن بعض قادة الفكر المنحرف أن: (تنزيه الوحي عن الفكر خطر عظيم على مستقبل الدّين) وأنَّ: (الله تعبَّدنا بالظّنَّ كما تعبَّدنا باليقين) وأن (سنّة التّطوّر توجب إعادة النظر في كتابة التاريخ والسيرة بل في كتابة التفسير وفقه الأحكام الشرعية).

والفكر (الإسلامي) ـ بلا شك ـ قابل للتغيّر والتبدّل والتناقض والانحراف والخطأ، لاختلاف آراء المفكرين باختلاف أقدارهم و”كل ابن آدم خطّاء”، ولتغيّر نظر المفكّر نفسه بين أمسه ويومه وغده، ولكن الوحي الإلهي لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتناقض ولا يخطئ لأن الخالق العليم الخبير الحكيم أنزله بعلمه، وهو أعلم بخلقه في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو أعلم بما يُصلحهم وما يَصْلح لهم؛ وليس عليهم في الدين إلا الإتباع، أما الابتداع والاختراع في الدّين فهو استدراك على الله وعلى رسوله، ومعصية حَرِيَّة ألاّ تُغْفر بدون التوبة قبل الموت؛ فهي مثل الشّرك بالله ليس لها من دوافع الغرائز البشريّة ما تُعْذر به، وهي ـ مثله ـ من معاصي الشّبهات التي هي أكبر من معاصي الشّهوات قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

إنّ لَقَبُ المفكر الإسلامي لا يليق بالدعاة إلى الله إن كان الغزالي أو لم يكن منهم؛ فشرع الله جاء بطريق الوحي في الكتاب والسنة لا بطريق الفكر.. والدّعاة إلى الله على بصيرة هم الذين عَلِموا شرع الله (بالأدلة الصّحيحة) وعملوا به وسعوا إلى تبليغه، أما الفكر المجرد فهو أليق بالفلسفة أو السّفسطة..

وأهمية إثارة هذا الأمر تبدو عند استقراء نتائج إطلاق هذا اللقب على الدّعاة المثقَّفين الذين لم يعرفوا شرع الله أو أُخِذوا بالحضارة العلمانيَّة؛ إنتاجها الصناعي ونُظُم إدارتها وطرق حياتها فسيطر على عقولهم شعور بأن النجاح والفلاح والسعادة في ربط دين الإسلام بعجلة الحضارة العلمانية.

ولعل الشيطان قد أوحى للصّحف العربيّة بهذا اللقب حتى يسيطر على ميدان الدعوة إلى الله من لا يصلح لها.. وبالتالي يختلط الذّهب بالنّحاس ويعجز المسلم عن التمييز بين الدعوة إلى الله على بصيرة وبين مجرد الخطابة والشهرة الأدبية (الإسلامية).

أرجو من الله العلي القدير أن يجعلنا أكثر دقة في تمييز الحق من الباطل، وتمييز الزّبد مما ينفع الناس وخاصة عندما يتعلق الموضوع بشرع الله والدعوة إليه.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضاه وهدانا جميعًا لأقرب من هذا رشدًا.

Hits: 16