التفصيلِ في مكانِ قيامِ الشهر الفضيلِ

Home / الفقه / التفصيلِ في مكانِ قيامِ الشهر الفضيلِ
التفصيلِ في مكانِ قيامِ الشهر الفضيلِ
بسم الله الرحمن الرحيم 
 

إن كثيرا من مسائل التفضيل التي تتجاذبها النصوص يكون الصواب فيها التفصيل 

ومن ذلك مسألة قيام رمضان في البيت أفضل أم في المسجد؟!
 
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال معتبرة :
الأول : صلاتها في المسجد أفضل  واحتجوا بحديث : ” مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ” وكذلك بصنيع عمر رضي الله عنه حيث جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد واستمر عليه عمل المسلمين .
 
الثاني صلاتها في البيت أفضل، واستدلوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام :  ” أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ” . كذلك بفعل عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة الذين كانوا يتركون الصلاة مع الناس في المسجد ويصلون في بيوتهم كابن عمر وابن عباس وكذا من التابعين وأتباعهم  .
 
الثالث التفصيل في التفضيل – وهو الراجح والله أعلم – وذلك يختلف باختلاف الاشخاص واختلاف الأحوال 
فمن الناس من لا يصلي تطوعا في بيته مطلقا 
ومنهم من يكسل عن قيام رمضان في بيته لأسباب تخصه .
ومنهم من لا يحفظ من القرآن إلا اليسير ويشق عليه القيام وحده .
ومنهم كثير الذهول والسهو حين يصلي وحده ، وينشط في المسجد ……
فهؤلاء ونحوهم صلاة القيام في رمضان جماعة في المسجد أفضل في حقهم .
 
أما من كان يحفظ من القران ويرتله ، وينشط وينتفع عند القيام به مراجعة وتدبرا وخشوعا وإخباتا
ولا يترتب على تركه للمسجد مفسدة فالأفضل في حقه أن يصلي في بيته وحده أو مع أهله .
أضف إلى ذلك ما قد يكون من نفعٍ مُتَعَدٍ في البيت بأن يصلي معك الأهل والمحارم فينتفعون بصلاتك بهم لما فيها من ترتيل وطمأنينة .

قال رجل للحسن البصري :أصلي قيام رمضان في البيت أو في المسجد؟ 

فقال له الحسن: “ الموضع الذي ترى فيه عينيك أدمع، وقلبك أرق وأخشع فألزمه “.

وقال الامام الشافعي :” إن صلى رجل لنفسه في بيته في رمضان فهو أحب إلي؛ وإن صلى في جماعة فهو حسن “.

 وقال بعض الشافعية : ” إن كان يحفظ القرآن ، ويأمن من التكاسل عن القيام فهو في البيت أفضل وإن كان بالعكس ففي المسجد أفضل ” .

وقال ابن عبد البر في التمهيد : ”  قيام رمضان لابد أن يقام إتباعا لعمر ، واستدلالا بسنة رسول الله في ذلك ، فإذا قامت الصلاة في المساجد فالأفضل عندي حينئذ حيث تصلح للمصلي نيته وخشوعه وإخباته ، وتدبر ما يتلوه في صلاته ، فحيث كان ذلك مع قيام سنة عمر، فهو أفضل – إن شاء الله – وبالله التوفيق. ” اه

ومن الأسباب المهمة عندنا اليوم التي ترجح أفضلية الصلاة في البيت : آفة السرعة في الصلاة وعدم الطمأنينة فيها   

فترى كثيرا من الناس يتعلق بحديث : “من صلى من إمامه حتى ينصرف ….” ويغفل أن الامام ينقر صلاته نقرا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن ترك الطمأنينة في صلاته واسترقها : ” ارجع فصل فإنك لم تصل ” .

وآفة السرعة في الصلاة وعدم الطمأنينة فيها من المظاهر السيئة المؤسفة في مساجدنا عامةً وفي قيام رمضان خاصةً إلا من رحم ربي ، حتى إن السُّني ليتفطر قلبه ممن يسمع ويرى ويخرج من المسجد مهموما على وجهه من تضييع لُبِّ الصلاة والاخلال بأركانها دون نكير. 

بل الناس قد اعتادوا ذلك ، ولا يتألم إلا من كان قلبه حيٌّ وكانت الصلاة قرة عينه .  أما الأموات – فما لجُرحٍ بميتٍ إيلامُ . وكم من نصيحة أُسْدِيَت لهؤلاء الأئمة ولكن لا حياة لمن تُنادي .

فإذا  كان حال صلاة القيام في المسجد هكذا ، تفوت عليك الخشوع فيها فتتأذى بذلك وتعكر صفو قلبك فالصلاة في البيت مع التأني والطمانينة وحضور القلب أفضل لمن قدر على ذلك ولو لم يكن معه من القران إلا الشيء اليسير .

قال الامام ابن القَيِّم – رحمه الله -: “فمَن فاتَه خشوع الصلاة، لَم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصولُ الخشوع مع العَجَلة والنقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلاَّ مع الطمأنينة، وكلَّما زادَ طمأنينة ازدادَ خشوعًا، وكلَّما قلَّ خشوعه، اشتدَّتْ عَجَلته؛ حتى تصيرَ حركة يَدَيه بمنزلة العبث الذي لا يَصحبه خشوع ولا إقبال على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله – سبحانه – قد قال: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾ [البقرة: 43]، وقال: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ [لقمان: 4]، وقال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ ﴾ [هود: 114]، ، وقال: ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ [الحج: 35]، وقال إبراهيم – عليه السلام -: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ ﴾ [إبراهيم: 40]، وقال لموسى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [ طه: 14].

فلن تكاد تجد ذِكْرَ الصلاة في موضع من التنزيل إلاَّ مقرونًا بإقامتها، 

فالمصلون في الناس قليل، ومُقيم الصلاة منهم أقلُّ القليل!” اه

والله أعلم والحمد لله رب العالمين .