النجاسات اليسيره التي يشق التحرز منها ، معفوٌ عنها

Home / الفقه / النجاسات اليسيره التي يشق التحرز منها ، معفوٌ عنها
النجاسات اليسيره التي يشق التحرز منها ، معفوٌ عنها
إنَّ النجاسات اليسيره التي يشق التحرز منها ، معفوٌ عنها ، كرشاش البول اليسير الذي لا يدركه الطَرْفُ إذا أصاب الثوبَ أو البدنَ.
 
قال ابن المنذر : ” وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْبَوْلِ الْيَسِيرِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، 
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَجِبُ غَسْلُ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ.
وقال مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (صاحب أبي حنيفة) : “ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ ” 
وَقَدْ .. قِيلَ لِمِسْعَرٍ: إِنَّ أَبَا يُوسُفَ (صاحب أبي حنيفة الثاني) يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ إِذَا كَانَ مِثْلَ عَيْنِ الْجَرَادِ وَرُءُوسِ الْإِبَرِ ، فَجَعَلَ يَسْتَحْسِنُهُ ” انتهى من “الأوسط” (2/138).

ويدل على العفو عن هذا اليسير من الرذاذ ونحوه ، ما رواه مسلم عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ [ خوفًا من أن يصيبه شيء من رشاشه ] ، وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ .
فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ .

قال النووي : ” مَقْصُود حُذَيْفَة أَنَّ هَذَا التَّشْدِيد خِلَاف السُّنَّة ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا ، وَلَا شَكّ فِي كَوْن الْقَائِم مُعَرَّضًا لِلرَّشِيشِ ، وَلَمْ يَلْتَفِت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال ، وَلَمْ يَتَكَلَّف الْبَوْل فِي قَارُورَة كَمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ” انتهى من “شرح صحيح مسلم” (3/167) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ ، حَتَّى بَعْر فَأْرَةٍ ، وَنَحْوِهَا فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَلَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَةُ طِينِ الشَّارِعِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ ، .. وَمَا تَطَايَرَ مِنْ غُبَارِ السِّرْجِينِ (هو الروث النجس) وَنَحْوِهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ عَنْهُ : عُفِيَ عَنْهُ “. انتهى من “الفتاوى الكبرى” (5/ 313).

وقال الكاساني الحنفي: “ وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ ، فَإِنَّ الذُّبَابَ يَقَعْنَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ ” انتهى من ” بدائع الصنائع” (1/79) .
وقال الشيخ ابن عثيمين : ” والصَّحيح : ما ذهب إِليه أبو حنيفة ، وشيخ الإِسلام … 
ومن يسير النَّجاسات التي يُعْفَى عنها لمشَقَّةِ التَّحرُّز منه : يسير سَلَسِ البول لمن ابتُلي به ، وتَحفَّظ تحفُّظاً كثيراً قدر استطاعته ” انتهى من “الشرح الممتع” (1/ 447). 

والسؤال الذي يُطرح في هذا المقام هو : ماذا يفعل من شك في النجاسة هل هي يسيرة أو لا؟ 

الجواب : فليبن على الأصل، وهو عدم بلوغ تلك النجاسة إلى حد الكثرة؛ فإن هذا هو المتيقن، والقاعدة أن اليقين لا يزول بالشك.

وقد جاء في بعض كتب الشافعيه وهو أسنى المطالب، في شرح روض الطالب : ” (وَلِلْمَشْكُوكِ فِي كَثْرَتِهِ حُكْمُ الْقَلِيلِفَيُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ النَّجَاسَةِ الْعَفْوُ، إلَّا إذَا تَيَقَّنَّا الْكَثْرَةَاهـ.

وننصح من ابتلي بوساوس الطهارة  ألا يفتش ولا يبحث هل خرج منه شيء أو لا ؟! 
وكذلك عليه بالإعراض عن تلك الوساوس، وعدم الالتفات إليها والمبالاة بها؛ فإن الاسترسال معها  يفضي إلى شر عظيم.  ولا يحكم المرء بانتقاض وضوئه إلا إذا حصل منه اليقين الجازم بخروج شيء من فرجه .
 
كما وننصح أيضا من به وسوسة بنضح الفرج والسراويل لقطع الوساوس في شأن خروج شيء بعد الاستنجاء  ، 
قال ابن قدامة في المغني: ” ويستحب أن ينضح على فرجه وسراويله ليزيل الوساوس عنه، 
قال حنبل: سألت أحمدقلت أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني أحدثت بعده، 
قال  : ” إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه على فرجك، ولا تلتفت إليه، 
فإنه يذهب إن شاء الله تعالى “. انتهى.  
والله  أعلم والحمد لله رب العالمين