صحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها

Home / الرئيسية / صحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها
صحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها
يقول الامام ابن القيم رحمه الله ورفع درجته في المهديين –  -: “وهو سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وقد أتقن كل ما صنع وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة ويتفاوتون في العلم بتفاصيله وإذا عرف ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة وإما عدل وحكمة 
وإما من أجل إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها وإما لدفع ألم هو أصعب منها 
وإما لتولدها عن لذات ونعم تولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات 
وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان 
فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الالام 
والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله :” وإن كان بكم أذى من مطر ” 
وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف من الحيوانات
 وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة ومعظم الآم أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها 
بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان
 كما قال …
لولا المشقة ساد الناس كلهم … 
                             الجود يفقر والأقدام قتال …وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي باحتمالها .

وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا للصحة لولا تلك الآلام لفاتت وهذا شأن أكبر امراض الأبدان.

 فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان مالا يعلمه إلا الله وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها 

وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب.

 وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة.

 فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها .

وقد أحصيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة .

وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره وجعلها جسرا موصلا إليها كما حجب اعظم الآلام بالشهوات واللذات وجعلها جسرا موصلا إليها 

ولهذا قالت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن الراحة لا تنال بالراحة وأن من آثر اللذات فاتته اللذات .

فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم .

وما ينال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمورٌ جداً بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر الصيف، وبرد الشتاء، وحبس المطر والثلج، وألم الحمل والولادة، والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك.
ولكن لذاتها أضعافُ أضعافِ آلامها، وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام؛ فسُنَّتُه في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمالُ علمه وحكمته وعزته.
ولو اجتمعـت عقول العقلاء كلهم علـى أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك، وقيل لكلٍّ منهم: ارجع بصر العقل فهل ترى من خلل؟
[ثُمَّ ارْجِع الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ]سورة الملك:4، 

فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها، والأشياء من خلافها؛ 
فأخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والرطب من اليابس، واليابس من الرطب؛ فكذلك أنشأ اللذاتِ من الآلامِ، والآلامَ من اللذات؛ فأعظم اللذاتِ ثمراتُ الآلام ونتائجها، وأعظم الآلامِ ثمراتُ اللذات ونتائجها.
وبعدُ فاللذةُ والسرورُ، والخيرُ والنعمُ، والعافيةُ والصحةُ والرحمةُ في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء ـ أكثرُ من أضدادها بأضعافٍ مضاعفة ” اه  شفاء العليل ص 498-500

Hits: 20