طَرْحُ المُبالاة بكلام الناس واستعمال المُبالاة بكلام ربِّ الناس

Home / الرئيسية / طَرْحُ المُبالاة بكلام الناس واستعمال المُبالاة بكلام ربِّ الناس
طَرْحُ المُبالاة بكلام الناس واستعمال المُبالاة بكلام ربِّ الناس

قال الإمام الحافظ أبو محمد علي بن حزم الأندلسي -رحمه الله-:

باب عظيم من أبواب العقل والراحة: وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل، بل هو باب العقل كله والراحة كلها – ومن قَدَّرَ أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. 

من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه،

بل مدحهم إياه إن كان بحق، وبلغه مدحهم له، أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله،

وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد.

 وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص،

وإن كان بباطل فبلغه، فصبر، اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر، وكان مع ذلك غانماً لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها، وهذا حظ رفيع لا يزهد فيه إلا مجنون. 

وأما إن لم يبلغه مدح الناس إياه، فكلامهم وسكوتهم سواء. 

وليس كذلك ذمهم إياه لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه. 

ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء الحسن: ” ذلك عاجل بشرى المؤمن ” ، لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق. 

ولكن إذا جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في المدح لا بنفس المدح“.

من كتابه : (مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق)

Hits: 25