لا بُد من حُسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى

Home / العلم والعلماء / لا بُد من حُسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى
لا بُد من حُسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الامام ابن الجوزي في كتابه الإيضاح
حسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى، فإن آنس من نفسه الحَيْدَ عن الغرض الصحيح فليكفّها بجهده، فإن ملكها، وإلا فليترك المناظرة في ذلك المجلس، وليتق السباب والمنافرة فإنهما يضعان القدر، ويكسبان الوزر ، وإن زل خصمه فليوقفه على زلـله ، غير مخجل له بالتشنيع عليه ، فإن أصر أمسك، إلا أن يكون ذلك الزلل مما يحاذر استقراره عند السامعين، فينبههم على الصواب فيه بألطف الوجوه جمعا بين المصلحتين.
لماذا شرع مجادلة المبطلين والمخالفين ؟
الجواب كما قال ابن القيم رحمه الله : ” ولمناظرة المبطل فائدتان :
الأولى : أن يرد باطله ويرجع إلى الحق .
الثانية : أن ينكف شره وعداوته حتى يتبين للناس أن الذي يعمله باطل ” . انتهى كلامه .
قال العلامة محمد العثيمين رحمه الله تعالى :
المجادلة إذا كان المقصود بها إثبات الحق وإبطال الباطل فهي خير، وتعودها وتعلمها خير لا سيما في وقتنا هذا، فإنه كثُرَ فيه الجدال والمراء، حتى إن الشيء يكون ثابتًا وظاهرًا في القرآن والسنة فيورد عليه إشكالات.
وهنا مسألة : وهي أن بعض الناس يتحرج من المجادلة حتى وإن كانت حقًّا استدلالا بحديث : “وأنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا ”  أفيترك هذا الفعل ؟!
فالجوابمن ترك المراء في دين الله فليس بمحقٍّ إطلاقًا؛ لأن هذا هزيمة للحق ! 
لكن قد يكون محقًّا إذا كان تخاصُمه هو وصاحبه في شيء ليس له علاقة بالدين أصلاً : قال: رأيت فلانًا في السوق، ويقول الآخر: بل رأيته في المسجد، ويحصل بينهما جدال وخصام فهذه هي المجادلة المذكورة في الحديث ! 
أما من ترك المجادلة في نصرة الحق فليس بمحق إطلاقًا فلا يدخل في الحديث.
قال الشيخ عبد المحسن العباد :
قوله أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً  يعني: المجادلة التي تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، فالإنسان يبتعد عنها حتى تسلم القلوب، وحتى تصفى النفوس.” اه
الخلاصة :أن الجدال نوعان ، منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود.
أما المحمود فهو ما تعلق بإظهار الحق والدلالة عليه والدعوة إليه، وهذا الذي أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125]. وقال تعالىوَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[العنكبوت:46].وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلمجاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم“.
وقد جادل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الخوارج زمن عليّ بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وأفحمهم، فعاد عن هذه البدعة خلق كثير. فهذا هو الجدال المحمود: ما كان لإظهار الحق بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه.
أما النوع الآخر  فهو الجدال المذموم وهو أنواع :
الجدال لطمس نور الحق
فمنه ما يكون الهدف منه طمس نور الحق والتشغيب عليه وشغل أهل الحق عنه: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [الأنعام:121]. وأخبر الله عن هذا الصنف من الناس بقوله:(وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [غافر:5].
المراء الذي يقصد به الغلبة والانتصار للنفس
والمقصود بالمراء في اللغة: استخراج غضب المجادل، من قولهم: مريت الشاة، إذا استخرجت لبنها، وحقيقة المراء المنهي عنه: طعن الإنسان في كلام غيره؛ لإظهار خلله واضطرابه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيته عليه. وإن كان المماري على حق ، فإنه لا يجوز له أن يسلك هذا السبيل؛ لأنه لا يقصد من ورائه إلا تحقير غيره والانتصار عليه
والحمد لله رب العالمين .